الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

الصلاة في الجماعة

وصفة الصلاة المشروعة

 

 

     الحمد لله . ونستعين بالله . ونصلى ونسلم على رسول الله . وأشهد أن لا إله إلا الله . وأشهد أن محمداً رسول الله .

     أما بعد : فإن الله سبحانه خلق الخلق لعبادته ، وأمرهم بتوحيده وطاعته . أوجب ذلك عليهم في خاصة أنفسهم ، وأن يجاهدوا عليه أهلهم ، وأولادهم .

     فرأس الطاعة بعد الشهادتين : الصلاة التي هي عمود الديانة . ورأس الأمانة ، تهدي إلى الفضائل ، وتكف عن الرذائل ، تذكر بالله الكريم الأكبر ، وتصد عن الفحشاء والمنكر ، تفتح باب الرزق ، وتيسر الأمر ، وتشرح الصدر ، وتزيل الهم والغم ، وهي من أكبر ما يستعان بها على أمور الحياة ، وبسط الخير ، وكثرة البركات ، وقضاء الحاجات .

     وكان الصحابة إذا حز بهم أمر من أمور الحياة ، أو وقعوا في شدة من الشدات ؛ فزعوا إلى الصلاة ، لأن الله يقول ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) (1) .  فهي قرة العين للمؤمنين في الحياة . كما في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :  » حبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة  « (2) .

     وهي خمس صلوات مفرقة بين سائر الأوقات ؛ لئلا تطول مدة الغفلة بين العبد وبين ربه ، من حافظ عليها ، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة .

_______________________

(1)                 45 – البقرة .

(2)                 رواه أحمد في مسنده والنسائي والحاكم والبيقهي في السنن عن أنس وإسناده جيد .

 

وهي أول ما فرض من العبادات ، كما أنها آخر ما يفقد من دين كل إنسان ، فليس بعد ذهابها إسلام ولا دين .

وقد وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم في تكفيرها للخطايا ؛ بمثابة نهر غمر ــ أي كثير ــ يغتسل منه المسلم كل يوم خمس مرات ، فهل يبقى من درنه شيء ؟ فكذلك مثل الصلاة.

وقال : » الصلاة الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينهن كفارات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر  « (1) . سميت صلاة من أجل أنها صلة بين العبد وبين ربه . فالمصلى متصل بربه ، موصول من بره وفضله وكرمه ، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » آمركم بالصلاة فإن الله ينصب وجهه قبل وجه عبده ما لم يلفت في صلاته « (2) . 

ولهذا من نوع الاستفتاح للصلاة أن يقول ، وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين ، فالمصلي : موصول من بره وكرمه وفضله . كما أن التارك للصلاة : منقطع عن ربه ، ليس من أولياء الله ، ولا من حزبه . والواصل موصول والقاطع مقطوع .

ومن صلى العشاء في جماعة ، كان في ذمة الله حتى يصبح ، ومن صلى الفجر في جماعة كان في ذمة الله حتى يمسي (3) ، وقال  » من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف الليل، ومن صلى الفجر في جماعة كان كقيام الليل كله « (4) .

_______________________

(1)                 رواه أحمد في مسنده ومسلم والترمذي عن أبي هريرة .

(2)                 رواه الإمام أحمد من حديث الحارث الأشعري .

(3)                 رواه ابن ماجة بسند صحيح من حديث سمرة .

(4)                 رواه مسلم وأبو داود من حديث عثمان ابن عفان .

 

أما التارك للصلاة عمدا : فإنه قد وقع في الكفر وهو لا يشعر ، لما في الصحيح عن جابر . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة من تركها فقد كفر « وفي حديث بريده أنه قال : » العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة من تركها فقد كفر « (1) . وكان السلف يسمون الصلاة الميزان ، فإذا أرادوا أن يبحثوا عن دين إنسان ، سألوا عن صلاته . فإن حدثوا بأنه يحافظ على الصلاة ، علموا بأنه ذو دين ، وإن حدثوا بأنه لا حظ له في الصلاة ، علموا بأنه لا دين له . ومن لا دين له ، كان جديراً بكل شر ، بعيدا عن كل خير . عادم الخير
لا يعطيه ، وكل إناء ينضح بما فيه .

فالصلاة : بما أنها نعيم المؤمنين ، فإنها ثقيلة على المنافقين الذين لا يرجون بفعلها ثواباً، ولا يخافون بتركها عقاباً . يقول الله تعالي (  وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ) (2) . فنفى الله عنهم العقل الصحيح ؛ لعدم إجابتهم لنداء الصلاة الذي هو نداء بالفلاح ، والفوز والنجاة . وفي الحديث » من دعي إلى الفلاح فلم يجب لم يرد خيراً ولم يرد به خير « . وكان الصحابة يعدون المتخلف عن الصلاة في الجماعة منافقاً ، يقولون ذلك ولا يتأثمون ، كما في صحيح مسلم عن ابن مسعود قال : » من سره أن يلقى الله غدا مسلماً فليحافظ على هذه الصلوات الخمس في الجماعة . فإنهن من سنن الهدى . وإنكم لو صليتم في بيوتكم كما يصلي المتخلف في بيته لتركتكم سنة نبيكم ، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم ، ولقد رأيتنا وما يتخلف في الصلاة عن الجماعة إلا منافق معلوم النفاق  « .

إن أعظم الناس بركة ، وأشرفهم مزية ومنزلة :  الرجل يكون في المجلس وعنده جلساؤه وأصحابه وأولاده

______________________

(1)                 رواه الترمذي عن بريدة وقال حديث حسن صحيح .

(2)                 58 – المائدة .

فيسمعون النداء بالصلاة  ، فيقوم إليها فرحاً ويأمر من عنده بالقيام إلى الصلاة معه ، فيؤمون مسجداً من مساجد الله لأداء فريضة من فرائض الله ، يعلوهم النور والوقار على وجوههم ، كل من رآهم ذكر الله عند رؤيتهم ، وأولئك الميامين على أنفسهم ، والميامين على جلسائهم وأولادهم ( أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب ) (1) .

وبضد هؤلاء : قوم يجلسون في المجالس ، وفي القهاوى ، وفي النوادي ، وفي ملاعب الكرة .  فيسمعون النداء بالصلاة ، ثم لا يقومون . ألسنتهم لاغية ، وقلوبهم لاهية ،
قد ( استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله . أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون )
(2) .

    يشقى رجال ويشقى آخرون بهم 

 

ويسعد الله أقواما بأقوام

فجاهدوا أنفسكم على فرائض ربكم ، وخذوا بيد أولادكم إلى الصلاة في المساجد معكم ، فإن من شب على شيء شاب على حبه ، ولأنه بأخذ الولد إليها ومجاهدته عليها ، يعود حبها ملكة راسخة في قلبه ، تحببه إلى ربه ، وتقربه من خلقه ، وتصلح له أمر دنياه وآخرته . لأنها تقيم اعوجاج الولد ، وتصلح منه ما فسد ، وتذكره بالله الكريم الأكبر ، وتصده عن الفحشاء والمنكر ، فإنكم متى أهملتم تربية أولادكم فلم تهذبوهم على فعل الصلاة في المساجد معكم فإنه لا بد أن يتولى تربيتهم الشيطان ، فيجبب إليه الكفر والفسوق والعصيان وصدق الله العظيم (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون ) (3) .

______________________

(1)                 18 – الزمر .

(2)                 19 – المجادلة .

(3)                 35 – 36 – الزخرف .

 

     إن المصلى ينبغي له أن يستحضر بقلبه بأنه واقف بين يدي ربه ، فيخشع له ويخضع ، ويضع يده اليمنى على اليسرى على صدره أو فوق سرته .

     إن الصلاة لا تكون صلاة شرعية ، ولا مقبولة ، حتى تقع عن نهج ما سنه رسول الله صلى عليه وسلم في الصلاة .  وفي الصحيحين :  أن رجلا دخل المسجد ، فصلى ، ثم جاء فقال :  السلام عليك يا رسول الله .  فقال : وعليك السلام ، إرجع ، فصل ، فإنك لم تصل ، فعل ذلك ثلاثاً . فقال : والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا . فعلمني . 

     وإنه ينبغي لنا أن نصغي بالآذان ، ونفرغ الأذهان ، لتعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا الإعرابي الجاهل .  فقال :  إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء . لأن مفتاح الصلاة الطهور . ولا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ ، وقد فرض الوضوء مع فرض الصلاة ــ قال : ثم استقبل القبلة وكبر . فاستقبال القبلة ــ للصلاة شرط إلا أن يكون في السيارة أو في الطائرة . فإنه يصلى حيث توجهت به ، مستقبل القبلة أو مستدبرها . ولم يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يقول :  نويت أن أصلى كذا ، أو كذا ؛ لأن النية قلبية ، والتلفظ بها بدعة . ثم قال : وأقرأ ما تيسر معك من القرآن ، ثم أركع حتى تطمئن راكعاً ؛ والاطمئنان هو السكون والركود ، ويقول : سبحان ربي العظيم ، ثلاث مرات .  أدنى الكمال . ثم قال : وأرفع حتى تعتدل قائماً . حتى يصلب رأسك وجسمك بعد الرفع من الركوع كما في الحديث :
» لا صلاة لمن لم يقم صلبه من الركوع « . ثم أسجد حتى تطمئن ساجداً ، ثم أفعل ذلك في صلاتك كلها . فهذه هي الصلاة المشروعة ، التي تصعد إلى الله ، ولها نور ، فتقول : حفظك الله كما حفظتني .

أما الذي يصلى ولا يطمئن في الركوع ، ولا في السجود ولا في سائر أفعال الصلاة ، فإن صلاته تلف كما يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجه صاحبها ، وتقول : ضيعك الله كما ضيعتني .

فانتبهوا من غفلتكم ، وتوبوا من زللكم ، وحافظوا على فرائض ربكم ، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين .