![]() |
|
وصية لقمان لإبنه
الحمد لله الذي هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي
لولا أن هدانا الله . وأشهد أن لا إله الله ، شهادة مبرأة من كل قول واعتقاد لا
يحبه الله ولا يرضاه . وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، الذي اصطفاها من بين خلقه
واجتباه . اللهم صل على عبدك ورسولك محمد ، وعلى آله وأصحابه ومن تمسك بسنته واتبع
هداه . أما بعد : فيا أيها المستمعون الكرام . إنما فضلت هذه
الأمة على سائر الأمم بتمسكها بالإسلام ، وعملها به على التمام ، من اتباعهم
لأوامر القرآن الذي هو معجزة الدهور ، وآية العصور، وسفر السعادة ، ودستور العدالة
، والداعي إلى الفضيلة ، والرادع عن الرذيلة . فلو تدبر أحدكم كتاب الله ، وعمل
بما فيه من المواعظ الفصيحة ، والوصايا الصحيحة ، لصار سعيداً في نفسه، سعيداً في
أهله ، سعيداً في مجتمع قومه ، ولصاروا دوداً محموداً ، ولما صار جباراً متكبراً
عنيداً . إن الله سبحانه قص علينا وصية لقمان لإبنه ؛ للعظة بها والعمل بموجبها . لأن الاعتبار في القرآن هو بعموم لفظه لا
بخصوص سببه . فهو يتمشى على حد » إياك أعنى واسمعي يا جارة « وخير الناس من وعظ بغيره يقول الله : ( وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني _______________________ (1)
12 – لقمان . لأنه محبط للأعمال كلها ( ومن
يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار ) (1) . والشرك نوعان : أكبر وأصغر . فالشرك الأكبر :
هو أن يدعو قبراً أو ولياً ، أو نبياً ، أو ملكاً ، أو شجراً ، أو حجراً ، أو غير
ذلك . فيتوسل بهم في قضاء حاجاته ، وتفريج كرباته . فهذا هو الشرك الأكبر الذي لا
يغفر لأن الدعاء عبادة ، بل هو مخ العبادة ، من صرفه لغير الله فقد أشرك بالله .
فهؤلاء الذين يدعون الأموات ، ويتوسلون بهم ، ويزدحمون رجالاً ونساءً على قبورهم ،
يعتبرون بأنهم مشركون بربهم ، لأن الشرك اعتقاد وقول وعمل . وقد أخبر الله عنهم فقال ( ومن أضل ممن يدعو
من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون . وإذا حشر
الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين)(2). ثم قال : ( يا بني إنها إن تك مثقال حبة من
خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله ، إن الله لطيف خبير ) (3) . ففي هذه
الآية : الإخبار بإحاطة علم الله بعباده ، وأنه لا تخفى عليه خافية من أحوالهم ،
وأعمالهم ، لأنه سبحانه يرى دبيب النملة السوداء ، على الصخرة الصماء ، في الليلة
الظلماء . فالغيب عنده شهادة ، والسر عنده علانية. ( وأسروا قولكم أو اجهروا به
إنه عليم بذات الصدور. ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)(4). _______________________ (1)
72 – المائدة
. (2)
5 و 6 –
الأحقاف . (3)
16 – لقمان . (4)
13 و 14 –
الملك . » والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تك تراه فإنه يراك « (1). ( الذي يراك حين تقوم . وتقلبك في الساجدين . إنه هو السميع العليم ) (2) . اجتمع في المسجد الحرام ثلاثة نفر . فريشيان
وثقفي ، أو ثقفيان وقرشي كثير شحم بطونهم قليل فقه قلوبهم . فقال بعضهم لبعض :
أترون أن الله يسمع كلامنا ؟ فقال بعضهم : يسمعنا إذا جهرنا ولا يسمعنا إذا أخفينا
. فقال الآخر : إن كان يسمعنا إذا جهرنا فإنه يسمعنا إذا أخفينا : فأنزل الله (
ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) (3) .
كانت عائشة : تقول » سبحان من وسع سمعه الأصوات :
لقد أتت المجادلة ــ أي خولة بنت ثعلبة ــ تشتكي إلى رسول الله من زوجها ، وأنني
لفي كسر البيت أسمع بعض كلامهما ويخفى علي بعضه . فما برحت من مكانها ، حتى سمع
الله شكواها ، وأنزل الله : ( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى
الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير « (4). ثم قال ( يا بني أقم
الصلاة وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ) (5) فأمر سبحانه بإقام الصلاة وذلك بأن يأتي بالصلاة مقومة ،
معدلة بخشوع وخضوع في القيام ، والسجود والركوع ، لأن لب الصلاة الخشوع . وصلاة
بلا خشوع ، كجسد بلا روح . ______________________ (1)
رواه مسلم عن
عمر بن الخطاب من حديث له . (2)
218-220 –
الشعراء . (3)
14 – الملك . (4)
في رواية
للنسائي وابن ماجة وأخرجه البخاري تعليقاً . والآية 1 من المجادلة . (5)
17 – لقمان . وقد أفلح المؤمنون الذين
هم في صلاتهم خاشعون ، لأن للصلاة ميزاناً توزن به . من وفاها ، وفى له الله الأجر
، وصعدت صلاته ولها نور، تقول حفظك الله كما حفظتني. وفي هذا دليل على أن الصلاة
مع الشرائع القديمة ، وأنها كتبت على من كان قبلنا ، كما فرضت علينا . وثبت عنه صلى الله عليه
وسلم أنه قال : » أشد الناس سرقة الذي يسرق من صلاته : قيل وكيف يسرق من صلاته ؟ قال: لا يتم
ركوعها ولا سجودها « (1) . ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم جلا يصلي ولم يطمئن
في الركوع ، ولا في السجود، قال له : » ما صليت ، ارجع فصل
فإنك لم تصل . فعل ذلك ثلاث « (2) . أما إذا ترك الإنسان الصلاة
عمداً ، فإنه عين الكفر بالله لقول النبي صلى الله عليه وسلم » بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة « (3) من تركها فقد كفر« ، وقال » العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة من تركها فقد كفر « (4) وروى الإمام أحمد عن معاذ بن
جبل رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: » من ترك صلاة مكتوبة متعمداً فقد برئت منه ذمة الله عز و جل « (5). وروى : لا دين لمن لا صلاة له ، إنما موضع
الصلاة من الدين ، كموضع الرأس من الجسد . ________________________ (1)
رواه أحمد
والحاكم وصحيح إسناده من حديث أبي قتادة قال العراقي وكذا رواه أحمد والطبراني
وابن خزيمة بلفظ " أسوأ الناس إلخ.
أفاده المنذري " . (2)
ثبت في
الصحيحين عن أبي هريرة . (3)
رواه مسلم عن
جابر ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجة عن جابر . (4)
رواه من حديث
بريده وأحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وقال حسن صحيح . وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم
وقال صحيح ولم تعرف له علة . (5)
رواه أحمد
والطبراني في الكبير ، وإسناد أحمد صحيح لو سلم من الانقطاع ، فإن عبد الرحمن ابن
جبير بن نفير لم يسمع في معاذ ، وفي الأوسط للطبراني باسناد لا بأس به في
المتابعات ، وهو حديث طويل في النهي عن الشرك وعقوق الوالدين وترك الخمر والفواحش
. ولهذا كان السلف الصالح
يسمونها الميزان . فإذا أرادوا أن يبحثوا عن دين إنسان سألوا عن صلاته ، فإن حدثوا
بأنه يحافظ على أداء الصلوات في الجماعات ، علموا بأنه ذو دين. وإن حدثوا بأنه لاحظ له
في الصلاة ، علموا بأنه لا دين له . ومن لا دين له ، جدير بكل شر، بعيد عن كل خير
. وعادم الخير لا يعطيه . وكل إناء ينضح بما فيه . ( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ) (1) . فالصلاة هي أم الفضائل .
والناهية عن منكرات الأخلاق والرذائل . تذكر بالله الكريم الأكبر . وتصد عن
الفحشاء والمنكر . تفتح باب الرزق وتيسر الأمر، وتزيل الهم والغم . يقول الله
سبحانه: ( واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين . الذين يظنون
أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون ) (2) . فالإيمان بالبعث ،
والجزاء ، والأعمال ؛ هو الذي يقوي القلوب ، وينشط الأجساد على أداء فرائض الصلوات
، وسائر العبادات ، ويجعلها سهلة في نفوسهم ، غير ثقيلة عليهم . ثم قال: ( وأمر بالمعروف
وأنه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور). فأمره بأن يأمر بالمعروف . وهو ما عرفت
العقول السليمة ، والفطرة المستقيمة حسنه ، من سائر أفعال الخيرات والطاعات وأن
ينهى عن المنكر : وهو ما تنكره العقول السليمة ، والفطرة السليمة ، لأن الأمر
بالمعروف من واجبات الدين ، وطاعة رب العالمين. وهو نوع من الجهاد في سبيل الله ،
الذي سنام الإسلام ، ولأن المحسن شريك المسيء إذا لم ينهه . ________________________ (1)
11 – التوبة
. (2)
45 و 46-
البقرة . كما أن النهي عن المنكر هو مما
يسبب قلة فعل المنكر ، وعدم فشوه وانتشاره . والمعصية إذا أخفيت ، لم تضر إلا
صاحبها ، وإذا طهرت فلم تغير ضرت العامة ، لسكوتهم عن إنكارها. ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض
يأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ، ويؤتون الزكاة ، ويطيعون
الله ورسوله ) (1) . وقد لعن الذين كفروا من بني إسرائيل ، من أجل أنهم كانوا لا
يتناهون عن منكر فعلوه ، لبئس ما كانوا يفعلون . ولهذا قال النبي صلى الله عليه
وسلم » لتأمرن بالمعروف ، ولتنهون عن المنكر ، ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على
الحق أطراً « أي ــ تلزمونه بالحق إلزاماً ــ أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم
عذاباً من عنده ، ثم تدعونه فلا يستجيب لكم
« (2) . وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلا
فاستمعوا له .. فقال : » مثل القائم في حدود الله ــ أي الآمر بالمعروف ، والناهي عن المنكر ــ ومثل
الواقع فيها ــ أي الفاعل للمنكرات ــ كمثل قوم استهموا في سفينة ، فكان بعضهم في
أعلاها ــ أي في السطح ــ وبعضهم في أسفلهاــ أي في » الخن «
ــ فقال الذين في أسفلها لو خرقنا خرقا نتناول منه الماء من عندنا ، ولا نمر على
من فوقنا ــ ومعلوم أنه إذا تم لهم فعل هذا الأمر ، فإنه الغرق للسفينة ومن فيها
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ــ فإن أخذوا على أيديهم ومنعوهم ــ أي بالقوة
نجوا ونجوا جميعاً وإن تركوهم وما يفعلون ، هلكوا وأهلكوا جميعاً « (3) . فهذا المثل ، مطابق للواقع
، وهو أن المنكرات إذا ظهرت فلم تغير، عم عقابها الصالح والطالح . ________________________ (1)
71 – التوبة
. (2)
رواه أبو
داود والترمذي من حديث ابن مسعود . (3)
رواه البخاري
ومسلم من حديث النعمان بن بشير . فليعتبر المعتبر بالبلدان التي
قوضت منها خيام الإسلام ، وتظاهر الناس فيها بالكفر والفسوق والعصيان ، وترك فيها
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرات . كيف حال أهلها ؟ وما دخل عليهم من النقص
والجهل ، والكفر وفساد الأخلاق والعقائد، والأعمال ، حتى صاروا بمثابة البهائم
يتهارجون في الطرقات ، لا يعرفون صياماً ولا صلاة ، ولا يعرفون معروفاً ذلك بأن المنكرات متى كثر على
القلب ورودها ، وتكرر في العين شهودها ، ذهبت عظمتها من القلوب شيئاً فشيئاً ، إلى
أن يراها الإنسان فلا يرى بقلبه أنها منكرات ، ولا يمر بفكر أحدهم أنها معاصي .
وذلك بسبب سلب القلوب نور التمييز والإنكار ، على حد ما قيل: إذا كثر الإمساس قل
الإحساس . وهذا هو عين الهلاك للأخلاق ، فإن بقاء الأمم في استقامة أخلاقها ، فإذا
ذهبت أخلاقهم ذهبوا ، يقول الله : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف
وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) (1) . فمتى زال من الناس الأمر بالمعروف ، والنهي عن
المنكر ، فقد زال عنهم الخير، وصاروا من أشر الناس ، ثم قال : ( واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم
الأمور ) لأن من أمر بالمعروف ، ونهي عن المنكر ، فإنه لا بد أن يؤذي ويمتحن ، كما
قال النبي صلى الله عليه وسلم » لقد أوذيت في الله وما يؤذي أحد ، ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد « (2) ولما ذهب إلى الطائف ________________________ (1)
110 – آل
عمران . (2)
من حديث رواه
الإمام أحمد في مسنده والترمذي وابن ماجة وابن حبان عن أنس بإسناد صحيح . يريد من ثقيف أن يؤووه ، وينصروه ،
حتى يبلغ رسالة ربه ، فأشلوا عليه سفهاءهم ، فأخذوا يضربونه بالحجارة ، حتى أدموا
عقبه ، وهم يقولون : ساحر مجنون ،
فرجع عنهم كئيباً حزيناً ، حتى أتى وادي نخلة فصلى بها ، وأخذ يدعو بهذا الدعاء . » اللهم إني أشكوا إليك ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس. أنت رب
المستضعفين ، وأنت ربي . إلى من تكلني ؟ إلى قريب يتجهمني ؟ أو إلى عدو ملكته
أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي . غير أن عافيتك هي أوسع من ذنوبي . أعوذ
بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، أن ينزل بي
سخطك ، أو يحل علي عقابك . لك العتبى حتى ترضى . ولا حول ولا قوة إلا بك « (1) .
________________________ (1)
رواه مسلم في
صحيحه . (2)
رواه
الطبراني . ثم قال : ( ولا تمش في الأرض مرحاً ــ أي
فخراً وخيلاء ــ إن الله لا يحب كل مختال فخور . واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن
أنكر الأصوات لصوت الحمير) . فأمره بالاقتصاد في المشي وذلك باستعمال التأني ،
وتوقي المحذور ، وبالخصوص ، عندما أصبح السير على سيارات الحديد التي ينجم عنها
البأس الشديد . وقد تزايد ضررها ، وتفاقم خطرها. والغالب في الضرر من الانقلاب
والصدم .. إنما يقع من سبيل الاستعجال وعدم التأني ، لأنها بسرعتها قد أثرت في
القلوب شيئاً من السرعة الزائدة وما أحسن ما قيل :
والناس يدركون كما عقل الرجل ورزانته في اعتدال
سيره ، وعدم استعجاله ، كما أنهم يدركون خفة عقل الرجل وطيشان حلمه في سرعة سيره .
فهذا دائم التعرض للبلاء على نفسه وعلى الناس . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم
: لأشج عبد القيس » إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله « . فانتبهوا من غفلتكم ، وتوبوا من زللكم ،
وحافظوا على فرائض ربكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين . ________________________ (1)
رواه مسلم . |