الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

              قوله سبحانه :

" المال والبنون زينة الحياة الدنيا … الآية "

 

 

     الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة نرجو بها النجاة ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صاحب الآيات والمعجزات ، اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

     أما بعد :  فقد قال الله تعالى ( المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملا ) (1) فأخبر الله سبحانه أن المال والبنين زينة الدنيا ، فالمال يجل صاحبه في العيان ، ويجمله بين الأقران ، ويحفظه عن السقوط في الذل والهوان . وهو ترس المؤمن في آخر الزمان . ولا يستغني عنه في حال من الأحوال . وأن الكريم على الإخوان ، ذو المال. كما أن البنين ، هم الريحان ، وسلوة الزمان . فليس شيء يحفز الهمم ، ويضحي بأرواح الأمم  كما يحفز بهم كسب المال ، وتوفيره للعيال ، فترى الشخص يتحمل المشاق المتعبة ، ويخوض الأخطار الموحشة في سبيل كسب المال ، وتوفيره للعيال ، حتى إن بعض الناس ليحرم نفسه من لذته وإنفاقه في سبيل حسنته ، حرصاً على جمعه وتوفيره لذريته .

     والمال مطلوب شرعاً ، ومحبوب طبعاً ، غير أن المقصود من المال هو أن يكون زينة في الحياة ، وسعادة بعد الوفاة ، فمتى سلك صاحبه به مسلك الاعتدال ، بأن أخذه من حله ، وأدى منه واجب حقه ، كان له حسنات ورفع درجات في الجنات ، فقد ذهب أهل الدثور بالأجور ورفيع الدرجات .

_______________________

(1)                 46 – الكهف .

 

ونعم المال الصالح ، للرجل الصالح . وفي الحديث الصحيح  » إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بحقه ، وفي رواية ــ فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه ، من أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه ، وكان كالذي يأكل ولا يشبع ، واليد العليا خير من اليد السفلى  « (1) فالمال غاد ورائح ويبقى من المال شرف الذكر وعظيم الأجر .

     وكذلك البنون ، فإنهم لن يكونوا زينة في الحياة ، إلا إذا اتصفوا بالمحافظة على الفرائض والفضائل ، واجتنبوا منكرات الأخلاق والرذائل ، لأن من اتصف بذلك ، كان جديراً بأن يطيع ربه ، ويبر والديه ، ويصل رحمه ، ويخالق الناس بالخلق الحسن ، فيكون بطانة حسنة لوالده، إن نسى شيئاً من الخير ذكره ، وإن ذكر أعانه ، وعلى أثر ذلك ، ينتشر له الذكر الجميل ، والثناء الحسن ، الذي يذكر به في حياته ، وبعد وفاته ، كما قيل :

ما فاته وفضول العيش أشغال

 

    ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته

     لأن الدين يهذب أخلاق الأولاد ، ويزيل عنهم الكفر والشقاق والنفاق ، وعوامل الفساد، فما كان الدين في شخص إلا زانه ، وما نزع من شخص إلا شانه . وقد أمرنا الله أن نقول
( وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين )
(2) .

_______________________

(1)           متفق  عليه ، رواه الإمام أحمد في مسنده والترمذي والنسائي عن " أن هذا المال خضرة حلوة فمن أصابه بحقه بورك له فيه ورب متخوض فيما شاءت نفسه من مال الله ورسوله ليس له يوم القيامة إلا النار " .

(2)                 15 – الأحقاف .

 

    صلاح المرء يصلح أهله 

 

ويعديهم داء الفساد إذا فسد

    ويشرف في الدنيا بفضل صلاحه 

 

ويحفظ بعد الموت في الأهل والولد

     أما إذا اتصف الولد بالسفاه والفساد ، وترك واجباته ، من صلاته وصيامه ، وفسق عن أمر ربه ، فإنه يكون غصة على والديه ، يكدر عليهما حياتهما ، وصفوة لذاتهما . و يكون فتنة على أهله و أقاربه ، وسائر من يقاربه ،  كما حكى الله في كتابه بقوله (  وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرقهما طغياناً وكفراً ، فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة وأقرب رحما) (1) . فكم ولد في هذا الزمان أرهق أبويه طغياناً وكفراً .

    فكم سليل رجاه للجمال أب 

 

فأصبح خزياً بأعلى هضبة رفعا

    وأكثر النسل يشقى الوالدان به 

 

فليته كان عن آبائه دفعا

    أضاع داريك من دنيا وآخرة 

 

لا الحي أغنى ولا في هالك شفعا

 

     يقول الله  (  إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم ) (2) . ومن للتبعيض فالزوجة التي هي عدو لك هي : التي تأمرك بعقوق والديك ، وقطيعة أرحامك ، والإساءة إلى جيرانك ، فتطيعها في ذلك كله ، فتكون بمثابة الصنم الذي تعبده في بيتك ، لأن من أطاع مخلوقاً في معصية الله ، فقد عبده . ويوشك أن يتسلط عليه بما يقتضي إفساد دينه ودنياه . وكذلك الولد الذي هو عدو لك ، فإنه الولد التارك للصلاة ، العاكف على شرب المسكرات ، وارتكاب المنكرات ، وعلى أثر هذا تسوء طباعه ، وتفسد أوضاعه ، ويتعدى ضرره في فساد أخلاقه إلى إخوانه ، وأخواته وأهل بيته .

 

______________________

(1)                 80-81 – الكهف .

(2)                 14 – التغابن .

 

     وقد يكون فساد الولد بسبب من إهمال الوالد ، لعدم  عنايته بحسن ترتبيته ، حيث أهمل أمره ونهيه ، وألقى حبله على غاربه ، فلا يسأل عنه أين دخل ولا أين خرج ؟ و لا أين جاء
و لا أين ذهب ؟ وربما كان الوالد سيء الطباع فاسد الأوضاع في نفسه ، تاركاً للصلاة ، شارباً للدخان والمسكرات فيكون سوء فعله بمثابة التعليم السيء لولده ، فينشأ على فساد عقيدته ، وسوء طريقته ، لأن الوالد مدرسة لأولاده في الخير والشر ، وإذا صلح الراعي صلحت الرعية ، وإذا فسد الراعي ، فسدت الرعية ، فعند فعل الولد لسائر الأفعال الفاسدة ، يعود الوالد على نفسه باللائمة فيكون كما قيل :

    فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها 

 

فأول راضي سرة من يسيرها

     لقد كان من الواجب على الوالد: أن يهذب نفسه بتحسين أخلاقه ومحافظة على واجباته ، حتى يكون قدوة حسنة ، ومدرسة صالحة لأولاده فيقتدون به في حسن أعماله ، ثم يضع الرقابة الصادقة على أولاده فيتفقدهم بالليل  عند دخول بيته ، ويأخذ بأيديهم إلى المسجد للصلاة معه لأن من شب على شيء ، شاب على حبه ، ولأنه بأخذ يد الولد إليها ، ومجاهدته على فعلها يعود حيها ملكة راسخة في قلبه ، تحببه إلى ربه ، وتقربه من خلقه ، وتصلح له أمر دنياه وآخرته ، لأن الصلاة بمثابة الدواء للفرد ، تقيم اعوجاج الولد ، وتصلح منه ما فسد ، وتذكره بالله الكريم الأكبر ، وتصده عن الفحشاء والمنكر ، فينطبع في قلبه محبة الفضائل ، واجتناب منكرات الأخلاق والرذائل ، يقول الله ( اتل ما أوحى إليك من الكتاب ، وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر ) (1) .  

________________________

(1)                 45 – العنكبوت .

 

     وإنكم متى أهملتم تربية أولادكم ، فلم تهذبوهم على الصلاح والصلاة ، وعلى اجتناب المنكرات ، فإنه لا بد أن يتولى الشيطان ، فيحبب إليهم الكفر والفسوق والعصيان ، وصدق الله العظيم ( ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين . وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون ) (1) .

     فقوله ( المال والبنون زينة الحياة الدنيا ) . هذه الزينة مطلوبة شرعاً ومحبوبة طبعاً ، فإن الله يحب الغني التقي ، ويحب التاجر الصدوق ، والله جميل يحب الجمال ، طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة ، والله إذا أنعم على عبده نعمة ، أحب أن يرى أثر نعمته على عبده، وهذه كلها من زينة الدنيا المحبوبة ، وهذه الزينة تفنى وتبلي . فكل شيء ما خلا الله باطل . وكل نعيم في الدنيا لا محالة زائل . والباقيات الصالحات ، هي روح الحياة النافعة الشافعة بعد الوفاة ، فلا يضحي بالروح في سبيل إصلاح الزينة الفانية سوى الحمقى ، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ، فهم يهتمون بزينة الحياة ، و لا يبالون بالأعمال الصالحات ، التي هي روح الحياة ، والتي هي خير ثواباً ــ أي خير ما يثاب عليه الإنسان ، وخير ما يرجوه ويدخره عند ربه بعد موته .

     أ تدرون ما هي الباقيات الصالحات ؟ هي : المحافظة على فرائض الصلوات في الجماعات ، وأداء الزكاة ، وبسط اليد بالصدقات ، وصلة القرابات ، والإحسان إلى المساكين والأيتام ، وذوي الحاجات ، ثم التطوع بنوافل الصلاة ، وسائر العبادات ، فمن لازم هذه الأعمال ، وسعى سعيه في كسب المال الحلال ، فقد فاز بزينة الحياة ، والسعادة بعد الوفاة .

    ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا


 

وما أقبح الكفر والإفلاس في الرجل

________________________

(1)                 36-37 – الزخرف .

 

إن من الناس من يوسع الله عليه بالغنى بالمال ، لكنه لا يكتسب به زينة الحياة ،
ولا السعادة بعد الوفاة ( فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة
الدنيا )
(1) .

    خلقوا وما خلقوا لمكرمة  

 

فكأنهم خلقوا وما خلقوا

    رزقوا وما رزقوا سماح يد 

 

فكأنهم رزقوا وما رزقوا

ولو سألت عمن هذه حاله لوجدتهم كثيرين في شتى البلدان ، من التجار المكثرين ، الذين غمرهم الله بنعمته ، وفضلهم بالغنى على كثير من خلقه ، ثم يجمد قلب أحدهم على حب ماله ، وتنقبض يده عن أداء زكاته ، وعن الصدقة منه ، والصلة لأقاربه ، والنفقة في وجوه البر والخير ، الذي خلق لأجله . ولم يزل هذا دأبه حتى يخرج من الدنيا مذءوما مدحوراً ، قد خلف ماله كله ، فلا خيراً قدمه ، ولا إثما سلم منه ، فيصير ماله عذاباً عليه في الدنيا ، وعقاباً عليه في الآخرة .

إن الله سبحانه قص علينا في كتابه خبر من أنعم الله عليه بالغنى فشكر، وخبر من أنعم عليه بالغنى فطغى واستكبر ، فقال في صفة التجار الأتقياء ( رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار . ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله ) (2) ــ أي من سعة الرزق وبركته ــ وقال في ضده (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين . فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ) (3) .

فمن رزقه الله من هذا المال رزقاً فليبادر بأداء زكاته ، ولينفق منه سراً وعلناً ، حتى يكون أسعد الناس بماله ، وحتى يكون ماله زينة له في الحياة ؛ ومن الباقيات الصالحات بعد الوفاة (واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيراً لأنفسكم ، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) (4) .

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعمنا وإياكم بعفوه . وأن يسبغ علينا وعليكم واسع فضله ، وأن يدخلنا برحمته في الصالحين من عباده ، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته .

ولسنا بمدحنا للقناعة نذم السعي والكسب والغنى ، أو أننا نمدح الخمول والقعود الفقر. كلا والله ، وإنما نمدح الغني التقي ، والمؤمن القوي ، ذا الحول والقوة ، الذي يسعى بجده واجتهاده إلى توسيع تجارته ، ثم التزود منها لآخرته ، فيكون غنياً بماله ، غنياً بصالح أعماله . آتاه الله الثروة والنعمة ، فعادت عليه بالسعادة والرحمة بالرأي والتدبير ، وصانها عن الإسراف والتبذير ، وعادة بأداء زكاتها ، وبالصدقة منها على الفقير والمسكين ، وعلى الرحم واليتيم، فزكت نعمته و زادت ، وثبتت ، ودامت ، فكان عمله باراً ، ورزق الله عليه داراً .  أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب .

أسأل الله سبحانه أن يعمنا وإياكم بعفوه ، وأن يسبغ علينا وعليكم واسع فضله ، وأن يدخلنا برحمته في الصالحين من عباده ، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته .

________________________

(1)                 55 – التوبة .

(2)                 37 و 38 – النور .

(3)                 75-77 – التوبة .

(4)                 16 - التغابن