![]() |
|
تهذيب الأولاد على المحافظة على
الفرائض والفضائل والتنزه عن منكرات الأخلاق والرذائل
الحمد لله الذي خلق الخلق ليعبدوه . وركب فيهم
العقول ليعرفوه . وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة ليشكروه . وأشهد أن لا إله إلا
الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ؛ الذي أوصى أمته بأن يخافوا
ربهم ويتقوه . اللهم صل على عبدك ، ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ، الذين آزروه
ونصروه . وسلم تسليماً كثيراً . أما بعد : فيا أيها الناس : اتقوا الله حق تقاته ، وتدبروا ما أنزل إليكم
من حكمه وآياته، واعلموا أن الله تعالى لم يخلقكم عبثاً ، ولم يضرب عنكم الذكر
صفحاً ، بل خلقكم لمعرفته وعبادته ، وأمركم بتوحيده وطاعته . أوجب ذلك عليكم في
خاصة أنفسكم . وأن تجاهدوا عليه أهلكم ، وأولادكم . ( وجاهدوا في الله حق جهاده هو
اجتباكم ) (1) . وأنزل عليكم في
كتابه المبين ( يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً ) (2) . فوقاية النفس من النار تحصل
بأداء ما افترض الله ، وترك ما حرم الله . كما أن وقاية الأهل من النار تحصل بأمرهم
بالخير ، ونهيهم عن الشر ، وتحصل بأمرهم بالمعروف ، ونهيهم عن المنكر ، فما نحل
والد ولده أفضل من أن ينحله أدباً حسناً ، يدله به على الصلاح والهدى ، ويردعه به
عن السفاه والردى . والأدب الحسن ليس مقصوراً على الضرب بالعصا ،
ولكنه : تدريب الولد على العلم والهدى ، وعلى الطاعة والتقوى ، ومباعدته عن مواقع
الفساد والردى . _______________________ (1)
78 – الحج . (2)
6 – التحريم
. ( وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك
رزقاً نحن نرزقك والعاقبة للتقوى ) (1) فمن أحب أن يحفظ في عقبه وعقب عقيه فليطع ربه ، وليأمر بذلك من يحبه ،
فاحفظ الله يحفظك . إنكم متى أهملتم تربية أولادكم ، فلم تهذبوهم
على أفعال الطاعات . والحضور بهم معكم في مساجد الجمع والجماعات للصلاة ، فإنه لا
بد أن يتولى تربيتهم الشيطان ، فيحبب إليهم الكفر والفسوق والعصيان ( ومن يعش عن
ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين . وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم
مهتدون ) (2) إن الداء الضار
بالولد والوالد : هو إهمال الولد ، وإلقاء حبله على الغارب ، فلا يتفقده بالليل ، ولا عند الصلاة ، ولا يسأل عنه أين دخل ولا أين خرج ،
وهذا غاية في الإهمال إذ أنه يلتقي بأهل السفاه والفساد ، وهم أكبر مفسد لأخلاق
الأولاد . فيكتسب منهم فنوناً من الضلال والخبال . فكم من رجل حسن الخلق نزيه
العرض ، عفيف الشرف ، سليم العقيدة ، اصطحب مع سفهاء الأحلام ، وضعفاء العقول
والأديان ، و فافسدوا فضائله ، وأوقعوه في الرذائل وغيروا عقيدته ، فساءت طباعه ،
وفسدت أوضاعه ، وانتشر عنه الذكر الخامل ، والسمعة السيئة . إن الدواء الكريه المر النافع لن يستعمله
الولد إلا بإيعاز من الوالد ، وإن الله ليزع بالسلطان أعظم مما يزع بالقرآن ،
والرجل سلطان على أهل بيته » وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته « (3) فالمحب
الصادق ، هو من يجرع صديقه المر ليقيه من الوقوع في الضر ، اسق ولدك مراً يصادف
منه نفعاً ، ولا تعدل عنه إلى حلو يضر . _______________________ (1)
132 – طه . (2)
36-37 –
الزخرف . (3)
من حديث رواه
أحمد في مسنده وأبو داود ، ومتفق عليه ، ورواه الترمذي عن ابن عمر .
فالبطالة ، وترك الطاعة ، كلها شهية في نفس
الشاب . فتراه يضحي بنفيس وقته في سبيل لهوه ولعبه ، بدون أن يحرص
على تعلم ما ينفعه ، فيكون لسانه لاغياً ، وقلبه لاهياً ، وللتعليم الحسن أثره في
نفس الصبي ، لأن التعليم في الصغر كالنقش على الحجر ، والتعليم دين فانظروا عمن
تأخذون دينكم . وصلاح التعليم ينجم عن صلاح الرأس والرئيس .
ومن تسنم منصات التدريس . والصبيان مع الأساتذة ، بمنزلة الأعضاء مع اللسان ، تقول
اتق الله فينا ، فإن استقمت استقمنا ، وإن اعوججت اعوججنا . والمعلم داعية بأفعاله ، مثل أقواله ، لكون
الدعاية بالأفعال ، أبلغ منها بالأقوال . فمتى كان المعلم يترك الصلاة ، أو يشرب
الدخان ، فإن هذا تعليم منه بفعله ، لأن الأخلاق تتعادى ، والطباع تتناقل ، والمرء
على دين أستاذه وخليله ، فلينظر أحدكم من يخالل . فكل تعلم وتعليم لا يظهر أثره
على صاحبه من محافظته على الفضائل والفرائض ، واجتنابه لمنكرات الأخلاق فإنه لا
يرتفع به عند الله درجات ، وإنما يسقط به في الجهل والضلال دركات ، وغايته أن يكون
صنعة من الصناعات . غير أن المدارس مهما صلحت ونصحت ، فإنها تحتاج
في مهمة نجاح الولد : إلى مساعدة الوالد . بحيث يراقب ولده في كل حالته ، فيحثه
على تعلم ما ينفعه ، ويباعده عن النوادي ، وسائر ما يضره ، ويدخله معه البيت بعد
صلاة العشاء ، ويأخذه بيده إلى المسجد معه ليؤدي فريضة ربه . فالصلاة في المساجد ؛
وإن كانت ثقيلة في نفس الصبي ، لكنه بمزاولته عليها ، والأخذ بيده إليها ، يعود
حبها ملكة راسخة في قلبه ، تحببه من ربه ، وتقربه من خلقه ، وتصلح له أمر دنياه
وآخرته ؛ لأنها صلة بين العلة وبين ربه ، وصلة بين العبد وبين إخوانه ، فهي الدواء
الناجح النافع تقيم أود (1)
الولد
، وتصلح منه ما فسد ، وتذكره بالله الكريم الأكبر ، وتصده عن الفحشاء والمنكر ،
يقول الله تعالى : ( اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن
الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر ) (2) (واستعينوا بالصبر والصلاة
) (3) فمجاهدة الولد
عليها : هو من الجهاد في سبيل الله .
( وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم) (4) والله إننا لنسمع بالشاب يحافظ على أداء فريضة الصلاة في المساجد والجماعات ، فتقبل
قلوبنا على محبته ، ويرتفع في نفوسنا جلاله وهيبته ، لأن الله إذا أحب عبداً أنزل
محبته في قلوب عباده ، وبضد ذلك ، نسمع بالشاب معرضاً عن الطاعة ، منهمكاً في
البطالة ، تبدر منه بوادر السوء ، في الطعن في الدين ، وبغض المتصفين به . فيسكن
في القلوب بغضه ، والنفرة منه ، لعلمنا أنه فاسق في نفسه ، وسيعود ضرره على مجتمع
شبابنا ، فالوالد مدرسة لأولاده . وإن شرب المسكرات ، شربها أولاده ،أو شرب الدخان
، شربه أولاده . والتجربة المشاهدة في الحاضرين أعظم تصديق لوصايا الدين . فقد
رأينا الأولاد الذين أهمل آباؤهم تربيتهم ، رأيناهم من أسوأ الناس سيرة ، وأفسدهم
سريرة . رأيناهم يتقلبون فيما يعود بالضرر عليهم في حالهم، ومالهم ومآلهم ، قد
أضاعوا الصلاة ، واتبعوا الشهوات ، واستخفوا بحرمات الدين واتبعوا غير سبيل
المؤمنين . أما الذين تولى آباؤهم تربيتهم ، وزاولوهم على
الحضور إلى المساجد للصلاة معهم ، رأيناهم من أحسن الناس سيرة ، وأصلحهم سريرة ،
رأينا أعمالهم ، بارة وأرزاق الله عليهم دارة ( أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم
أولوا الألباب ) (5) . فانتبهوا من غفلتكم ، وتوبوا إلى ربكم ،
وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين . ______________________ (1)
اعوجاج . (2)
من 45
العنكبوت . (3)
45 – البقرة
. (4)
78 – الحج . (5)
18 – الزمر . |