الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

الحياة الطيبة

وكونها لا تدرك إلا بالأعمال الصالحة

 

 

     الحمد لله العفو الغفور ، الرؤوف الشكور ، الذي وفق من أراد هدايته لمحاسن الأمور ومكاسب الأجور ، فعملوا في حياتهم أعمالاً صالحة لوفاتهم ، يرجون بها تجارة لن تبور . وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا نبيه ورسوله ، اللهم صل على نبيك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا .

     أما بعد : فقد قال الله تعالى ( من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) (1) .  فوعد الله : ووعده حق وصدق ، كل من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى، بأن يحيا في الدنيا حياة سعيدة طيبة ، يجد لذتها في نفسه، وتسري بالصحة والسرور على سائر جسمه ، فيكون سعيدا في حياته ، سعيدا بعد وفاته ، فيحصل الحسنتين ، ويفوز بالسعادتين ، سعادة الدنيا ، وسعادة الآخرة . ثم إن هذه الحياة الطيبة لا تدرك إلا بالأعمال الصالحة ، ولا يعبر إليها إلا على جسر الثبات والاستقامة على الدين. والحياة الطيبة هي السعادة المنشودة في الدنيا . وقد تكون طريقاً إلى سعادة الآخرة ، فيكون ممن أوتى في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ، فقد يحسب كثير ممن لا علم عنده :  أن الحياة الطيبة مقصورة على التنعم بالمآكل الشهية الملونة ، والملابس المنوعة، والمراكب الفاخرة المفرهة ، والقصور المشيدة المزخرفة ، والنقود المخزونة المدخرة ، وسائر ما يعد من وسائل الرفاهية والسعة ، فيظن أن هذا هو الغاية في السعادة والحياة الطيبة .

_______________________

(1)                 97 – النحل .

 

ولا شك أن هذا الظن والحسبان ، لا يصدر إلا عن جهل عريق بفهم القرآن ، وجفاء عميق بمعرفة سعادة الإنسان ، فإن التوسع في أمور الحياة ، والتمتع بأنواع المشتهيات ، هو أمر مشترك بين المسلمين والكفار ، لأن الدنيا عرض حاضر ، يأكل منها البر والفاجر. والله سبحانه يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ، ولا يعطي الدين إلا من يحب .  بل أن التمتع بأنواع المشتهيات هو أمر مشترك بين الإنسان وبين بهائم الحيوان ، فقد يكون حظ بعض الكلاب من الأكل المستطاب ، أعظم من حظ بعض الناس ، فمن فهم هذا وزال عنه الالتباس ، فليعلم أن الحياة الطيبة لا تدرك ولا تنال إلا بالأعمال الصالحات، كما أنه لا يعبر إليها إلا على جسر الثبات ، والاستقامة على الدين، كالمحافظة على فرائض الصلوات ، وكأداء فريضة الزكاة ، وبسط اليد بالصدقات ، وصلة القربات ، والإحسان إلى المساكين ، والأيتام ، وذوي الحاجات ، والتفريج على المكروبين والمنكوبين من ذوي الهيئات  ثم التزود بنوافل العبادات .  فمن لازم هذه الأعمال ، وسعى سعيه في كسب المال الحلال أحياه الله حياة سعيدة طيبة ، يجد لذتها في نفسه ، تسري بالصحة والسرور على سائر جسمه لأن هذه الأعمال ، هي من أسباب انشراح الصدر ، وتيسير الأمر ، وسعة الرزق، وزوال الهم والغم .  والدنيا محفوفة بالأنكاد والأكدار ،  والشرور والأضرار ، ولا يهذبها ويصفيها سوى الدين وطاعة رب العالمين .

    ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا

 

وأقبح الكفر والإفلاس في الرجل

     أما مجرد كثرة المال الخالي عن صالح الأعمال ، فإنه لا يعد من سعادة الحياة ، بل هو  على الضد من ذلك ، وقد سماه الله عذاباً ، فقال سبحانه ( ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم هم كافرون ) (1) فتجد صاحبه دائماً هلوعاً جموعاً منوعا، يبتلي بالهموم ، والغموم ،  والأنكاد ، والأكدار حتى لا يكاد يمر السرور له بدار.

_______________________

(1)                 85 - التوبة

 

ومن المعلوم أن الهموم و الغموم و الأنكاد والأكدار ، أنها عقوبات تتوالى ، ونار في القلب تتلظى ، لا تزال تنفخ في الجسم حتى تجعل القوي ضعيفا ، والسمين نحيفا كما قيل: ــ

    والهم يخترم الجسم نحافة

 

ويشيب ناصية الصبي ويهرم

     ثم إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة، إلا من بر و صدق ، وأدي حق الله الواجب عليه في ماله. وانه لا بد للناس من تجارة ، ولا بد لهم من تجار والمال هو ترس المؤمن في آخر الزمان. ولا يستغني عن المال في حال من الأحوال. فمن أخذ المال من حله ، وأدي منه واجب حقه، فنعم المعونة هو، يكون له حسنات، ورفع درجات في الجنات،لأن الأعمال الصالحات ؛ هي التي تصفي الحياة ، ولها أثرها المترتب عليها، من سعة الرزق ، وصحة الجسم (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) (1).( ومن يتق الله يجعل من أمره يسرا) (2) وفي الحديث : أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: » قال الله عز وجل : يابن آدم، تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى وأسد فقرك، وان لا تفعل ملأت قلبك شغلا ولم أسد فقرك « (3).

     وليس معنى التفرغ للعبادة أنه التخلي عن الدنيا ، بترك البيع والشراء، والأخذ والعطاء، والحرث والبناء ، فإن هذا مذموم شرعا؛ لأن دين الإسلام دين سعي وكسب،وكد وكدح ، يجمع بين مصالح الدنيا والآخرة  يحب المؤمن القوي ، والغني التقي ، ويحب المؤمن المحترف،

______________________

(1)                 2 – الطلاق .

(2)                 4 – الطلاق .

(3)                 رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد .

 

ويبغض الفارغ  البطال » إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس  « (1)، وقد استأذن أناس من الصحابة : النبي صلى الله عليه وسلم في أن يبيعوا عقارهم وأموالهم  ويشتروا بها خيلا و سلاحا يجاهدون عليها في سبيل الله . فنهاهم النبي صلي الله عليه وسلم عن ذلك وقال : » أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها « واستأذن بعضهم في أن يتصدق بماله كله فنهاهم عن ذلك (2).

     واستأذنه عثمان بن مظعون في التبتل في  العبادة ، واعتزال الدنيا والنساء فنهاه عن ذلك، وقال لعبد الله بن عمرو بن العاص ، ألم أخبر بأنك تقوم الليل ، وتصوم النهار ، قلت بلى يا رسول الله ، قال  » فلا تفعل ، فإن لنفسك عليك حقاً ، ولأهلك عليك حقاً ، ولزوجك عليك حقاً ولزورك عليك حقاً ، فأعط كل ذي حق حقه « .

     وإذا ثبت هذا فإن معنى تفرغ لعباتي ــ أي ــ أد العبادة التي أوجب الله عليك فلا ينبغي أن تشتغل عنها بأهل ولا مال ، فمتى دخل وقت فريضة الصلاة وجب عليك أن تبادر بأدائها في وقتها في الجماعة ، وأن تترك لأجلها البيع والشراء ، والأخذ والعطاء .

     وإذا حضرت فريضة الزكاة ، وجب عليك أن تبادر بأدائها إلى مستحقها تقول : اللهم اجعلها مغنماً ، و لا تجعلها مغرماً . فينبغي أن تكون الدنيا رخيصة في نفسك ، عند حضور واجب حق الله عليك .

 ______________________

(1)                 من حديث رواه البخاري عن سعد بن أبي وقاص .

(2)                 نفس الحديث السابق » وهو سعد رضي الله عنه« .

 

وما استجلبت نعم الله واستدفعت بمثل المحافظة على طاعته . وفي البخاري عن قتادة ، كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجرون ، أي يبيعون ويشترون ويبنون ويغرسون ، ويسافرون للتجارة في البر والبحر ، ولكنهم إذا نابهم أمر من أمور الله ، أو حضرت فريضة من فرائض الله ، لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ، حتى يؤدوه إلى الله ، وفيهم وفي أمثالهم أنزل الله ( رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله )(1) أي من فضل الدنيا وسعتها، بسبب محافظتهم على واجباتهم . فالعمل الصالح هو همة التقي ، ولا يضره مع ذلك لو تعلقت جميع جوارحه بحب الدنيا ، لأن الدنيا متاع يتمتع بها المؤمن إلى ما هو خير منها ، فهو يحترف فيها بجوارحه ، وقلبه متعلق بالعمل لآخرته يعمل في دنياه عملاً لا يضر بآخرته ، و يعمل لآخرته عملاً لا يضر بدنياه، فمتى أدى واجب حق الله عليه ، من صلاته وزكاته ، وتزود من نوافل عباداته ، فتح الله له أبواب الرزق ، وسهل له أسباب الكسب ، وسلك في قلبه القناعة والرضى ، التي هي غاية في الغنى ، فإن الغنى ليس بكثرة المال ، ولكن الغنى غنى القلب . وهذا معنى قوله » تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى ، وأسد فقرك « لأنه متى دخل الغنى والقناعة في القلب ، فقد دخله الفرح والسرور والغبطة والحبور ، فيعيش في نفسه وأهله عيشة راضية مرضية ، وحياة سعيدة طيبة زكية ، والغنى المطلوب . وسمع من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالبيت أنه يقول :  » اللهم قنعني بما رزقتني . وبارك لي فيه ، واخلف علي كل فائتة بخير « .

________________________

(1)                 37 - النور

 

وليس معنى الدعاء بالقناعة كونه يترك السعي في سعة رزقه ، وتوسيع تجارته ، فإنه لا غنى للمؤمن عن بركة ربه .

     والسعي في سعة رزقه ، ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقول :  » اللهم اغفر لي ذنبي ، ووسع لي في داري ، وبارك لي فيما أعطيتني  « . وهذا كله يعد من الحياة الطيبة ، التي وعد الله بها كل من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن .  ولن يخلف الله وعده .  ومن ذاق منها عرف ومن حرم انحرف .

     وأما قوله  » وان لا تفعل ملأت قلبك شغلا . ولم أسد فقرك « . فإن هذه ضربة لازب في حق كل من أعرض عن عبادة ربه . وصرف جل عقله ، وجل عمله ، وجل اهتمامه للعمل في دنياه ، واتبع شهوات بطنه وفرجه ، وترك فرائض ربه ، من صلاته وزكاته ، ونسى أمر آخرته ، فإنه يبتلي بفقر النفس ، وشغل القلب.  فتجده دائماً مهموماً مغموماً ، جموعاً منوعاً سيء الحال ، لا يكاد يمر السرور له ببال ، فيحيا حياة نكدة مكدرة ، من أجل إعراضه عن عبادة ربه . يقول الله :  ( من اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ) (1) أي لا يضل في سعيه ،
ولا يشقى في حياته ( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا )
(2) أي في حياته
( ونحشره يوم القيامة أعمى ) أي بعد وفاته .

     وهذه المعيشة الضنك ، يبتلي بها كل من أعرض عن عبادة ربه ، ونسى أمر آخرته، حتى ولو كان عنده ما عنده من العقارات الثمينة ، والتجارات العظيمة ، والنقود المودعة في البنوك

________________________

(1)                 123 – طه .

(2)                 124 – طه .

 

فإنه يبتلي بهذه المعيشة الضنك كأنه فقير ذات ، فقير حياة ، فقير من الحسنات ، فهو لا يؤجر على فقره ، فلا تغتروا بما ترونه من حسن بزته ، وجمال ثيابه . فإن الأنكاد ، والأكدار ، والشرور ، والأضرار ، محيطة به من جميع جهاته ، فتنكد عليه حياته ، وتكدر صفوة لذاته .

    خلقوا وما خلقوا لمكرمة  

 

فكأنهم خلقوا وما خلقوا

    رزقوا وما رزقوا سماح يد 

 

فكأنهم رزقوا وما رزقوا

ولو سألت عمن هذا صفته لوجدتهم كثيرين في شتى البلدان ، من التجار المكثرين ، الذين غمرهم الله بنعمته ، وفضلهم بالغنى على كثير من خلقه ثم بحمد قلب أحدهم على حب ماله ، وتنقبض يده عن أداء زكاته . وعن الصدقة منه ، والصلة لأقاربه ، والنفقة في وجوه البر والخير ، الذي خلق لأجله . أتاه شيطانه فخوفه روعة زمانه . وقلة ماله ، فغل يده ، ومنع ما عنده . ولم يزل ذلك دأبه حتى يخرج من الدنيا مذؤوما مدحوراً . ولا خيراً قدمه ، ولا إثما سلم منه ، فيندم حين لا ينفعه الندم .  ( يقول يا ليتني قدمت لحياتي . فيومئذ لا يعذب عذابه أحد
ولا يوثق وثاقه أحد )
(1) .

    وكم من مالك مالا كثيراً 

 

ولكن حظه منه قليل

ولسنا بمدحنا للقناعة نذم السعي والكسب والغنى ، أو أننا نمدح الخمول والقعود الفقر. كلا والله ، وإنما نمدح الغني التقي ، والمؤمن القوي ، ذا الحول والقوة ، الذي يسعى بجده واجتهاده إلى توسيع تجارته ، ثم التزود منها لآخرته ، فيكون غنياً بماله ، غنياً بصالح أعماله . آتاه الله الثروة والنعمة ، فعادت عليه بالسعادة والرحمة بالرأي والتدبير ، وصانها عن الإسراف والتبذير ، وعادة بأداء زكاتها ، وبالصدقة منها على الفقير والمسكين ، وعلى الرحم واليتيم، فزكت نعمته و زادت ، وثبتت ، ودامت ، فكان عمله باراً ، ورزق الله عليه داراً .  أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب .

أسأل الله سبحانه أن يعمنا وإياكم بعفوه ، وأن يسبغ علينا وعليكم واسع فضله ، وأن يدخلنا برحمته في الصالحين من عباده ، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته .

________________________

(1)                 24-26 – الفجر .