الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

فضل الدعاء

وكونه يدفع شر القدر والقضاء

 

 

     الحمد لله ، ونستعين بالله ، ونصلي ونسلم على رسول الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله . وأشهد أن محمداً رسول الله ، اللهم صل على نبيك ورسولك محمد . وعلى آله وصحبه ومن تمسك بسنته واتبع هداه .

أما بعد: فإن الله سبحانه خلق الخلق ليعبدوه ، وركب فيهم العقول ليعرفوه ، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة ليشكروه ، وأنزل الله ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون . ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون . إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين )(1) . والعبادة أنواع : فالصلاة فرضها ونفلها عبادة . والصوم عبادة . والزكاة عبادة . والحج عبادة . والصدقة عبادة. والتسبيح  والتحميد عبادة . وتلاوة القرآن بالتدبر وتوطين النفس على العمل به عبادة . والدعاء عبادة . بل الدعاء مخل العبادة . سواء في ذلك دعاء العبادة . ودعاء المسألة . يقول الله سبحانه ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعاني فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون )(2) .

     وقد ذكر العلماء الحكمة في وضع هذه الآية بين آيات الصيام . وذلك أن الصائم يتوسع في أفعال العبادة . ويكثر من الدعاء ، والتضرع إلى الله في كل أوقاته . وعند فطره وسحوره. لعلمه إن للصائم دعوة لا ترد ، فهي إرشاد من الله إلى الدعاء عند كل فطر . إذا الدعاء عبادة. بل هو مخ العبادة . ( وقال ربكم ادعوني أستجب لكم . إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين )(3) .

_______________________

(1)                 56-58 – الذاريات .

(2)                 186 – البقرة .

(3)                 60 – غافر (مؤمن) .

 

     فسماه عبادة . وتوعد سبحانه كل من استكبر عن عبادة ربه ، وأعرض عن دعائه ، بأنهم سيدخلون جهنم داخرين ــ أي صغيرين ، حقيرين ، ذليلين . فالدعاء عماد الدين ، ونور السماوات والأرض ، وسلاح المؤمن كما ثبت ذلك في الحديث . وهو بمثابة الكنز المدخر لحالة الأزمات ، والوقوع في الشدات ، لأن من عرف الله في الرخاء ، عرفه في الشدة .  » وإذا سألت فأسأل الله ، وإذا استعنت ، فاستعن بالله  « (1). فليس شيء أكرم عند الله من الدعاء. والله يحب ملحين بالدعاء . فالفظوا بيا ذا الجلال والإكرام . أي ألزموا وداموا . ومن لم يسأل الله يغضب عليه . ومتى كان الدعاء عبادة . بل هو مخ العبادة والمسلم مخلوق للعبادة . فلا ينبغي له أن يستبطىء الإجابة ويقول : قد دعوت ، ودعوت، فلم يستجب لي ، فيكسل عند ذلك وييئس، فيترك الدعاء . لأن هذا من باب القنوط من رحمة الله ، واليأس من روح الله ، فإن الله سبحانه هو أعلم بمصالح عباده ، فقد يدعو الإنسان بشيء من حظوظ الدنيا وسعة الرزق، وكثرة المال ، والعيال ، ولو أستجيب له ، وعجلت له دعوته ، لكان فيه محض مضرته وهلاكه ، لأن الله سبحانه يحمي عبده المؤمن من بعض الأشياء التي يتمناه ويشتهيها رحمة منه، لأنها لو حصلت له لأفسدت عليه دينه ودنياه . ( وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم) ‌(2) ومن دعاء بعض السلف » اللهم أعطيتني مما أحب ، فاجعله عوناً لي على ما تحب. اللهم، زويت عني مما أحب فاجعله فراغاً لي فيما تحب  « . فالداعي لربه لن يخيب أبداً . إما أن يستجيب الله له دعوته ، وإما أن يدخر ثوابها له في الآخرة . وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها. كما ثبت بذلك الحديث .

_______________________

(1)                 من حديث أبي العباس عبد الله ابن عباس الذي رواه الترمذي .

(2)                 216 – البقرة .

 

فقالوا يا رسول الله إذا نكثر من الدعاء . فقال : » فضل الله أكثر « . فواجب المسلم والمسلمة أن يكثر من الدعاء في كل الحالات ، وفي سائر الأوقات ( أدعوا ربكم تضرعاً وخفية إنه
لا يحب المعتدين )
(1) .  ( قل ما يعبأ بكم ربي لو لا دعاءكم ) (2) . فالدعاء سلاح المؤمن . يستدفع به البلاء حتى المنعقد بطريق القدر والقضاء ، فإنه يدفع شره . كما ثبت في الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » لا يرد القدر إلا الدعاء ، ولا يزيد في العمر إلا البر ، وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصبه  « . فأخبر الصادق المصدوق أن الدعاء يرد القدر والقضاء. مثال ذلك أنه يكتب على الإنسان أنه يعيش فقيراً . أو أنه يصاب بقتل . أو بصدم سيارة ، أو غرق أو حرق أو غير ذلك مما يتحدث الناس أنه مكتوب عليه في الأزل ، ثم لا يزال يدعو ويتضرع إلى الله سبحانه ، فيستجيب الله دعوته ، ويمحو ما كتب عليه بطريق القضاء والقدر لأن الله سبحانه يمحو ما يشاء ويثبت ، فيعيش في الدنيا معافى ، غنياً سعيداً . ولهذا كان من دعاء القنوت أنه يقول : » اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت ، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني واصرف عني شر ما قضيت  « .  ولو لا أن الدعاء يدفع شر القدر والقضاء ، لما دعا به النبي صلى الله عليه وسلم . ولما علمه أمته . فصرف القدر والقضاء بالدعاء ، وهو أمر واقع من الله ، وثابت من شرع الله . فحذار وحذار أن يعجز أحدكم عن الدعاء ويقول ، إن كان هذا الأمر مكتوباً لي فإنه سيحصل لي ، دعوت أم لم أدع ، فإن هذه حجة الملاحدة الذين أبطلوا مشروعية الدعاء وتأثير ثوابه ، واتكالا منهم على القدر المكتوب .

______________________

(1)                 55 – الأعراف .

(2)                 77 – الفرقان .

 

والله سبحانه ربط الأسباب بالمسببات ، وجعل الدعاء سبباً للإجابة ، وأنزل الله في كتابه ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعاني فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون )(1) . وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من أربع. فقال :  » اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ، وقلب لا يخشع ، ونفس لا تشبع ، ودعاء لا يسمع   « (2) أي لا يستجاب له . والمؤمن في الدنيا بمثابة الغريق في لجة البحر ، يقول : يا رب يا رب حتى يصل إلى ساحل السلامة والنجاة ، لأن البلايا والرزايا والأحداث ، والأخطار ، والأوجاع المزعجة تفاجئ الإنسان من حيث لا يحتسب ، ولا ملجأ ولا منجى له من هذه البلايا والرزايا إلا بالالتجاء إلى الله بالدعاء والتضرع ، لأنه نعم الملتجى ونعم المولى ونعم النصير . ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الدعاء بسؤال العفو والعافية في الدنيا والآخرة . ويقول إذا أصبح   » اللهم إني أسألك العفو والعافية . والمعافاة الدائمة في الدنيا والآخرة . اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ، ودنياي ، وأهلي ، ومالي . اللهم استر عوراتي ، وآمن روعاتي. اللهم احفظني من بين يدي ، ومن خلفي ، وعن يميني ، وعن شمالي ، ومن فوقي ، وأعوذ بعزتك أن أغتال من تحتي « (3) . وكان (4) يستعيذ بالله من نقمته ، وتحول عافيته ، وفجأة نقمته ، وجميع سخطه ، ويقول في سجوده : » اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك ، وبمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك منك ، لا أحصي ثناءً عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك  « (5) .  وبالجملة :  فإن الدعاء جنة حصينة ، ومفتاح كل خير ، وهو من لذائذ الدنيا .

________________________

(1)                 186 – البقرة .

(2)                 من حديث رواه الحاكم عن أبن مسعود وقال صحيح ، وقال العراقي ليس كما قال .

(3)                 رواه أبو داود .

(4)                 كما رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن ابن عمر بن الخطاب .

(5)                 رواه مسلم وأصحاب السنن أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة عن عائشة .

 

من ذاق منه عرف ، ومن حرم إنحرف ، فمن فتح له باب الدعاء وحبب إليه فقد فتح له باب الخير . والرحمة ، والبركة ، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه :  » إني لا أحمل  هم الإجابة ، ولكن أحمل هم الدعاء ، فإنني إذا أعطيت الدعاء ووفقت للإجابة  « .  وقد قال بعض السلف  » إنه ليكون لي إلى الله حاجة فيفتح لي من لذائذ مناجاته ما لا أحب معها أن يعجل قضاء حاجتي بإستجابة دعوتي « سيما الدعاء في السجود ، فإن له سرا بديعا ، كما في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ، فأكثروا فيه من الدعاء « (1)  وقال : » أما الركوع : فعظموا فيه الرب ، وأما السجود : فأكثروا فيه من الدعاء ، فقمن أن يستجيب لكم  « (2) .  ففضل الدعاء وتأثيره سببه هو أمر معلوم ثابت بالكتاب والسنة والإجماع ، غير أن للدعاء بابا يدخل إلى الله منه ، وآداباً ينبغي بها الداعي، فإن من حرم الأدب حرم الإجابة .

     من ذلك أنه ينبغي للداعي أن يطيب مطعمه عن أكل الحرام . لأن العلائق عن الخير عوائق . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد ابن أبي وقاص :  » يا سعد ، أطب مطمعك تكن مستجاب الدعوة « ، لكون الوسائل مطلوب تقديمها أمام المسائل ، لأنها من العمل الصالح الذي يرفع الدعاء إلى الله ، وعن فضالة بن عبيد قال : سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يدعو ولم يحمد الله ، ولم يصل على نبيه ، فقال   » عجل هذا ثم دعاه « . وقال له  » إذا دعا أحدكم فليبدأ بتحميد ربه ، والثناء عليه ، ثم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يدعو بما شاء « رواه أحمد ، وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم .

________________________

(1)                 رواه مسلم عن أبي هريرة ولكن قال ( فأكثروا الدعاء ) .

(2)                 رواه مسلم عن ابن عباس .

 

     ومنها : أن يمد يديه إلى الله في الدعاء ، لما روي سلمان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  » إن ربكم حيي ستير يستحي من عبده إذا مد إليه يديه أن يردهما صفراً « أي خائبتين . رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وصححه الحاكم .

     ومنها أن يدعو بقلب حاضر وهو موقن بالإجابة ، فإنه لا يستجاب الدعاء من قلب ساه لاه .

     » وإذا سألت فأسأل الله «. لا تسأل غيره إلا فيما لا بد منه .  أما سؤال المخلوق ، فإنه حرام ، إلا في حالة الضرورة . ومن دعاء بعض السلف  » اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك ، فسن لساني عن السؤال لغيرك « ، لأن سؤال المخلوق للمخلوق ذل ومهانة، ومذمة. والله يقول ( قد أفلح من زكاها )(1) أي زكى نفسه بالفضائل ( وقد خاب من دساها)(2) أي دساها ودنسها بالرذائل ، ولا رذيلة أعظم من سؤال الناس ، لأن السؤال يذهب بماء الوجه. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم : أن المسألة كد يكد بها الرجل وجهه إلا إن سأل سلطاناً ، أو في أمر لا بد له منه ، وأخبر أن الذي يسأل الناس تكثراً يأتي يوم القيامة ، وليس في وجهه مزعة لحم . وقال : » لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فكيف بها وجهه ، خير له من أن يسأل الناس ، فأعطوه ، أو منعوه  « . وقد أقسم النبي صلى الله عليه وسلم على ثلاث خصال فقال : » وما نقصت صدقة من مال ، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما فتح عبد باب مسألة للناس ، إلا فتح الله عليه باب فقر  « . وهذا أمر واقع ماله من دافع. ولهذا يقال : شر الكسب السؤال .

________________________

(1)                 9 – الشمس .

(2)                 10 – الشمس .

 

ويقال : آخر الكسب السؤال ، فواجب المسلم أن يصون ماء وجهه عن سؤال الناس  » ومن يستغن يغنه الله . ومن يستعفف يعفه الله . ومن يتصبر يصبره الله   « .  وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه ، وما لا تتبعه نفسك . فهؤلاء الذين يسألون الناس حيث اتخذوا مسألة الناس لهم مهنة ومكسباً ، وعندهم نقود مودعة عند التجار أو في البنوك، فهؤلاء يعتبرون مخطئين ضالين . لأن مسألة الناس حرام إلا في حالة الضرورة ، لأن من يسأل الناس أموالهم تكثراً فإنما يسأل جمراً ، فليستقل أو ليستكثر . أما إذا كان مضطراً وليس عنده شيء فإن للسائل حقاً ولو جاء على فرس ، ولو صدق السائل ما أفلح من رده . وقد أوجب الله للسائل حقاً في كتابه المبين فقال ( وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين )(1) ، وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :   » ليس المسكين الذي ترده اللقمة ، واللقمتان والتمرة والتمرتان ، ولكن المسكين من لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه « (2) .  بقية الحديث :  ( ولا يقوم فيسأل الناس) .

     فانتبهوا من غفلتكم ، وحافظوا على فرائض ربكم ، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين.

_______________

(1)                 177 – البقرة .

(2)     متفق عليه ورواه مالك وأحمد في مسنده وأبو داوه والنسائي عن أبي هريرة .