الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

حديث

" الطهور شطر الإيمان .. إلخ "

 

 

     الحمد لله رب العالمين . وبه نستعين . ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . وأشهد أن
لا إله إلا الله . وأشهد أن محمداً عبده ورسوله . اللهم صل على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً .

     أما بعد : فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي مالك الحارث ابن عاصم الأشعري :
أن النبي صلى الله عليه وسلم . قال :  » الطهور شطر الإيمان ، والحمد لله تملأ الميزان ، وسبحان الله ، والحمد لله ، تملآن ، أو تملأ ، ما بين السماء والأرض ، والصلاة نور ، والصدقة برهان ، والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك . كل الناس يغدو ، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها « . وأقول إن هذا الحديث عظيم الشأن جليل القدر . جمع مهمات من الحكم والفرائض والفضائل . فهو من جوامع الكلم ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بجوامع الكلم. فكان يجمع الحكم الكثيرة في الكلمات اليسيرة .

     بدأ هذا الحديث بقوله : » الطهور شطر الإيمان « . يعني بالطهور : التطهر بالماء من حدث أصغر ، أو جنابة ، وجعله شطر الإيمان ، أي نصفه ، لاعتبار أن للإنسان حالتين: حالة يكون متطهراً . وحالة يكون محدثاً ثم إن الطهور مفتاح الصلاة . فلا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ . وفرض ليلة الإسراء مع فرض الصلاة على القول الراجح . وعن علي رضي الله عنه . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:  » مفتاح الصلاة الطهور . وتحريمها التكبير . وتحليلها التسليم « (1) .

_______________________

(1)                 رواه أبو داود والترمذي والدارمي ورواه ابن ماجة عن أبي سعيد .

 

     وعن ثوبان : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :  » استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة . ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن « (1) . وقد قيل : إنه من خصائص هذه الأمة لا يشاركهم فيه أحد من الأمم لقول النبي صلى الله عليه وسلم :  » إني أعرف أمتي من بين سائر الأمم بالغرة والتحجيل من آثار الوضوء  « . وسمي وضوءاً : لكونه يكسب الوضاءة والنضرة في سائر الأعضاء ، مع تكفيره للخطايا . ثم إنه يكسب الأعضاء نشاطاً ، ويطرد النوم والكسل عند القيام للصلاة .

     ويشترط طهورية الماء . وإباحته ، بحيث لا يكون مغصوباً . وإزالة ما يمنع وصول الماء إلى مواضعه من الأعضاء ، فيزال الخاتم بتحريكه حتى يصل الماء إلى موضعه ، وكذلك الساعة والسوار حتى يصل الماء إلى موضعها من الأعضاء . وكذلك المرأة ، إذا لبدت شيئاً وفوق شعر رأسها ، فإنه يجب أن تزيله حتى يصل الماء إلى موضعه من رأسها .

     وقد جعل الله التيمم طهوراً يقوم مقام الماء عند عدم الماء . يقول الله سبحانه : ( فإن لم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا برؤوسكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ) (2) ، فسماه الله طهوراً وليس من لوازم التيمم السفر . بل يجوز في البلد . فمتى انقطع الماء عن أهل بيت ولم يجدوا ما يتوضأون به ، أو يغتسلون إلا عن طريق سؤال الجيران . أعطوهم أو منعوهم . فإنه يجوز لهم أن يتمموا بضرب التراب مرتين ، مرة للوجه ومرة لليدين . ثم يصلون فروضهم ، ونوافلهم .

________________________

(1)           رواه أحمد والحاكم والبيقهي عن ثوبان مولى المصطفى في الشعب والطبراني في الكبير عن ابن عمرو بن العاص . والطبراني في الكبير عن سلمة بن الأكوع . قال المنذري إسناد ابن ماجة صحيح وقال الرافعي حديث ثابت .

(2)                 من الآية 6 المائدة .

 

وصلاتهم صحيحة . فإذا وجدوا الماء ، اغتسلوا به عن الجنابة ، ولم يعيدوا صلاتهم ، لكونها وقعت موقعها في الصحة والأجزاء . فلا إعادة .

     ومثله: من كان في البلد ، والتمس الماء عند حضور وقت الصلاة ، فلم يجده فإنه يتيمم . ومثله : الطلاب ، أو الطالبات في المدرسة ، وقد عدموا الماء ، وخافوا فوت الصلاة ، فإنهم يصلون بالتيمم . وصلاتهم صحيحة . لحديث :  » الصعيد وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته فإن ذلك خير  « (1) . ثم قال : » والحمد لله تملأ الميزان « فإن الله سبحانه كرر في كتابة نصبه للميزان . والوزن إنما يكون على حسب الأعمال لا على كثافة الأجسام أو نحافتها قال سبحانه : ( فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون . ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون ) (2) .

     فقد ورد أنه يأتي السمين البطين ، الأكول الشروب ، فلا يزن عند الله جناح بعوضة ، أقرءوا إن شئتم ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً . الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ــ إلى قوله ــ فلا نقيم يوم القيامة وزناً ) (3) .

     وكان ابن مسعود قصير القامة جداً . حتى إذا رؤي قائماً ، ظنوه جالساً فجلس يوماً مع بعض الصحابة ، بدت ساقه . فضحكوا عجباً من دقتها . فقال النبي صلى الله عليه وسلم :
» أتعجبون من دقة ساق ابن مسعود ! والله لساق ابن مسعود في الميزان أثقل عند الله من جبل أحد « .

     وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن التسبيح ، والتحميد ، والتكبير من

________________________

(1)                 رواه البزار عن أبي هريرة وإسناده صحيح .

(2)                 102-103- المؤمنون .

(3)                 103-105 – الكهف .

أثقل ما يجعل في ميزان العبد . وإن لهن دوياً حول العرش . وفي البخاري ومسلم . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » كلمتان حبيبتان إلى الرحمن ، خفيفتان على اللسان ، ثقيلتان في الميزان ، سبحان الله وبحمده ، سبحان الله العظيم  « .

     ولهذا قال : » وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض  « .  لكون التسبيح ، والتهليل ، والتكبير ، تجعل أجسامنا يوم القيامة على حسب قوة إيمان صاحبها . أو ضعفه ، ثم قال : » والصلاة نور « ، ولا يخفى أن الصلاة عمود الديانة ، ورأس الإيمان ، وتهدي إلى الفضائل ، وتكف عن الرذائل . تذكر بالله العظيم الأكبر ، وتنهي عن الفحشاء والمنكر ، تفتح باب الرزق ، وتيسر الأمر ، وتزيل الهم والغم ، وهي من أكبر ما يستعان بها على قضاء الحاجات ، وتفريج الكربات ، وسعة الرزق في الحياة .

     وكان الصحابة إذا حز بهم أمر من أمور الحياة ، أو وقعوا في شدة من الشدات ، فزعوا إلى الصلاة .

     فهي نور المؤمنين في الحياة . كما أنها نور في القبر ، وعلى الصراط . وقد وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنور .  كما في قوله :  » بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة « (1) .  وقال : » خمس صلوات كتبهن الله عليكم . من حافظ عليها كن له نوراً ، وبرهاناً ونجاة يوم القيامة . ومن لم يحافظ عليها . لم يكن له نور . ولا برهان ، ولا نجاة يوم القيامة، وحشر يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون وأبي ابن خلف بئس قرناء
السوء
« .

________________________

(1)                 رواه أبو داود والترمذي وقال حديث غريب .

(2)                 رواه أحمد بإسناد جيد والطبراني في الكبير والأوسط وابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر .

 

     ولما مر النبي صلى الله عليه وسلم على قبر حديث عهد بدفن . فقال :  » ما هذا « ؟ . قالوا هذا قبر فلان تاجر . فقال : » والله لصلاة ركعتين أحب  إلى صاحب هذا القبر من الدنيا وما فيها « (1) .

     ثم قال : » والصدقة برهان « . والبرهان : هو الضياء الشارق . وسمي برهاناً لكونها تبرهن عن إيمان مخرجها ، وكونه آثر طاعة ربه على محبة ماله ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) (2) .  كما سميت صدقة من أجل أنها تصدق وتحقق إيمان مخرجها . والصدقة تطلق على الصدقة المستحبة ،  وعلى الزكاة الواجبة .  كما في قوله سبحانه ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) (3) . فسمي الصدقة الواجبة الزكاة من أجل أنها تزكي إيمان مخرجها من الشح والبخل ، وتطهره ، كما تزكي المال : أي تنميه وتكثره ، وتنزل البركة فيه ، حتى في يد وارثه . فما نقصت صدقة مالا بل تزيده ( وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين ) (4) . ( واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيراً لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) (5) . وفي الحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :  » ما طلعت شمس يوماً إلا وبجنبيها ملكان يناديان . يا أيها الناس هلموا إلى ربكم . فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى . اللهم أعط منفقاً خلفاً ، وأعط ممسكاً تلفاً « (6) .

     ثم قال : » والصبر ضياء « . وأقول: » إن الصبر على ثلاثة أقسام : صبر على طاعة الله  وصبر على ما حرم الله ، وصبر على أقدار الله المؤلمة  « .

_______________

(1)                 رواه المنذري عن الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة وقال إسناده حسن .

(2)                 9 – الحشر .

(3)                 103 – التوبة .

(4)                 39 – سبا .

(5)                 16 – التغابن .

(6)                 رواه الإمام أحمد من حديث أبي الدرداء ورواه ابن حبان والحاكم .

 

    فأعلاه الصبر على طاعة الله . لأن ملازمة الطاعات ، ومواصلة الأعمال الصالحات ، يحتاج إلى صبر ومصابرة ، يقول الله ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) (1) . وقال : ( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ) (2) . وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم انتظار الصلاة بعد الصلاة بالمرابطة . كما سمى شهر رمضان بشهر الصبر . لأن فيه صبر على طاعة الله ، من الصيام والصلاة . وصبر عما حرم الله من الأكل والشرب ، والوقاع في نهار رمضان . وكل الشرائع المفترضة على العباد فإنها تحتاج في أدائها إلى صبر ومصابرة . فالمحافظة على الصلاة في الجماعات بطريق الاستمرار تحتاج إلى صبر . وأداء الزكاة طيبة بها في نفسه ، وافدة عليه كل عام تحتاج إلى صبر ، وكذا صيام رمضان ونوافله ، وبالخصوص في شدة الحر .  يحتاج إلى صبر . وكذا سائر نوافل العبادات، يحتاج إلى صبر ومصابرة .

     والثاني: الصبر عما حرم الله ، من الربا والزنا وشرب الخمور ، وأكل أموال الناس بالباطل ، وقتل النفس بغير حق .  فالكف عن كل هذه يعد من الصبر عما حرم الله . وقد قيل :

» لا تنظر إلى ازدحامهم عند المساجد ، ولكن انظر إلى وقوفهم عند الحدود والمحرمات «. لأن أفعال الطاعات يفعلها البر والفاجر ، وأما ترك المحرمات فلا يتركها إلا صديق . وأما الصبر على أقدار الله المؤلمة . فمثل المصائب في الأهل والأولاد وانتقاص المال أو ذهابه ، بنزول جائحة فيه ، فكل هذه من الصبر على أقدار الله .  » وإنما الصبر عند الصدمة
الأولى
« (3).

__________

(1)                 45 – البقرة .

(2)                 200 – آل عمران .

(3)                 البزار عن أبي هريرة .

 

     وأما قوله : » والقرآن حجة لك أو عليك « . فهذا عدل الله في عباده . فإن الله سبحانه أنزل كتبه ، وأرسل رسله( رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل )(1).

فالقرآن صادق مصدق ، وشافع مشفع ، من جعله إمامه فحافظ على فرائضه ، واجتنب محارمه .  فإنه يقوده إلى الجنة . ومن ترك طاعاته ، وارتكب محرماته ، فإنه يسوقه إلى النار. لأنه يبعث يوم القيامة كالرجل الشاحب يخاصم أقواماً . ويخاصم دون آخرين ، ويقول في حق من حفظ فرائضه ، واجتنب حدوده ومحرماته ، يا رب حملته إياي ، فخير حامل : حفظ حدودي ، وحافظ على طاعتي ، واجتنب معصيتي ، ولم يزل يلقي دونه بالحجج حتى يقال شأنك به . فيأخذه بيده ، ويدخله الجنة . وأما الثاني فيقول : يا رب حملته إياي ، فبئس حامل ، ضيع فرائضي ، وارتكب معصيتي ، فلا يزال يلقي بالحجج حتى يقال : شأنك به ، فيكبه على وجهه في نار جهنم .

     ولهذا قالوا : » ما جالس القرآن أحد فقام سالماً ، بل إما له ، وإما عليه  « .

     وإنما نزل القرآن للاعتبار والتدبر ، وتوطين النفس على العمل . وهو رسالة من رب العالمين .  موجهة إلى عباده المؤمنين . فيها الأمر والنهي ، التبشير والتحذير ، ومن قرأ القرآن ولم يعمل به ، فقد ضرب الله به مثل السوء ، أي ( كمثل الحمار يحمل أسفاراً )(2) أي كتباً لا يدري ما فيها . كما قيل :

    زوامل للأخبار لا علم عندهم  

 

بمتقنها إلا كعلم الأباعر

    لعمرك ما يدري البعير إذا غدى  

 

بأوساقه أو راح ما في الغراير

_______________

(1)                 165 – النساء .

(2)                 5 – الجمعة .

 

    ورب تال للقرآن والقرآن يلعنه . ثم قال :  » كل الناس يغدو فبائع نفسه ، فمعتقها أو موبقها « . إن الناس كلهم لا يخرجون عن هذين الوصفين ، منهم من هدى الله ، ومنهم من حقت عليه الضلالة ، يقول الله ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد ) (1) .  وبضده قوله : ( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام ، وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله
لا يحب الفساد وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإسم فحسبه جهنم ولبئس المهاد )
(2) . لأن سعي الناس شتى ، منهم من يعمل بعمل أهل الجنة ، ومنهم من يعمل بعمل أهل النار .

    وللخير أهل يعرفون بهديهم  

 

إذا اجتمعت عند الخطوب المجامع

    وللشر أهل يعرفون بشكلهم  

 

تشير إليهم بالفجور الأصابع

    وعند نشر صحائف الأعمال يوم القيامة . يقول الله :  » يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها . فمن وجد خيراً فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن
إلا نفسه 
« (3) .

     فانتبهوا من غفلتكم وحافظوا على فرائض ربكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين .

_______________

(1)                 204 – 206 – البقرة .

(2)                 207 – البقرة.

(3)     رواه مسلم عن أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه .