![]() |
|
حديث
"
الطهور شطر الإيمان .. إلخ "
الحمد لله رب العالمين . وبه نستعين . ولا حول
ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . وأشهد أن أما بعد : فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي مالك
الحارث ابن عاصم الأشعري : بدأ
هذا الحديث بقوله : » الطهور شطر الإيمان « . يعني بالطهور : التطهر
بالماء من حدث أصغر ، أو جنابة ، وجعله شطر الإيمان ، أي نصفه ، لاعتبار أن
للإنسان حالتين: حالة يكون متطهراً . وحالة يكون محدثاً ثم إن الطهور مفتاح الصلاة
. فلا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ . وفرض ليلة الإسراء مع فرض الصلاة على
القول الراجح . وعن علي رضي الله عنه . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: » مفتاح الصلاة الطهور . وتحريمها التكبير . وتحليلها التسليم « (1) . _______________________ (1)
رواه أبو
داود والترمذي والدارمي ورواه ابن ماجة عن أبي سعيد . وعن ثوبان : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال
: » استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة . ولا يحافظ على الوضوء
إلا مؤمن « (1) . وقد قيل : إنه من خصائص هذه الأمة لا يشاركهم فيه أحد
من الأمم لقول النبي صلى الله عليه وسلم :
» إني أعرف أمتي من بين سائر
الأمم بالغرة والتحجيل من آثار الوضوء
«
. وسمي وضوءاً : لكونه يكسب الوضاءة والنضرة في سائر الأعضاء ، مع تكفيره للخطايا
. ثم إنه يكسب الأعضاء نشاطاً ، ويطرد النوم والكسل عند القيام للصلاة . ويشترط طهورية الماء . وإباحته ، بحيث لا يكون
مغصوباً . وإزالة ما يمنع وصول الماء إلى مواضعه من الأعضاء ، فيزال الخاتم
بتحريكه حتى يصل الماء إلى موضعه ، وكذلك الساعة والسوار حتى يصل الماء إلى موضعها
من الأعضاء . وكذلك المرأة ، إذا لبدت شيئاً وفوق شعر رأسها ، فإنه يجب أن تزيله
حتى يصل الماء إلى موضعه من رأسها . وقد جعل الله التيمم طهوراً يقوم مقام الماء
عند عدم الماء . يقول الله سبحانه : ( فإن لم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً
فامسحوا برؤوسكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم )
(2) ، فسماه الله طهوراً وليس من لوازم التيمم السفر
. بل يجوز في البلد . فمتى انقطع الماء عن أهل بيت ولم يجدوا ما يتوضأون به ، أو
يغتسلون إلا عن طريق سؤال الجيران . أعطوهم أو منعوهم . فإنه يجوز لهم أن يتمموا
بضرب التراب مرتين ، مرة للوجه ومرة لليدين . ثم يصلون فروضهم ، ونوافلهم . ________________________ (1)
رواه أحمد
والحاكم والبيقهي عن ثوبان مولى المصطفى في الشعب والطبراني في الكبير عن ابن عمرو
بن العاص . والطبراني في الكبير عن سلمة بن الأكوع . قال المنذري إسناد ابن ماجة
صحيح وقال الرافعي حديث ثابت . (2)
من الآية 6
المائدة . وصلاتهم
صحيحة . فإذا وجدوا الماء ، اغتسلوا به عن الجنابة ، ولم يعيدوا صلاتهم ، لكونها
وقعت موقعها في الصحة والأجزاء . فلا إعادة . ومثله: من كان في البلد ، والتمس الماء عند
حضور وقت الصلاة ، فلم يجده فإنه يتيمم . ومثله : الطلاب ، أو الطالبات في المدرسة
، وقد عدموا الماء ، وخافوا فوت الصلاة ، فإنهم يصلون بالتيمم . وصلاتهم صحيحة .
لحديث : » الصعيد وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليتق الله
وليمسه بشرته فإن ذلك خير « (1) . ثم قال : » والحمد لله تملأ الميزان « فإن الله سبحانه كرر في
كتابة نصبه للميزان . والوزن إنما يكون على حسب الأعمال لا على كثافة الأجسام أو
نحافتها قال سبحانه : ( فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون . ومن خفت موازينه
فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون ) (2) . فقد ورد أنه يأتي السمين البطين ، الأكول
الشروب ، فلا يزن عند الله جناح بعوضة ، أقرءوا إن شئتم ( قل هل ننبئكم بالأخسرين
أعمالاً . الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ــ إلى قوله ــ فلا نقيم يوم القيامة
وزناً ) (3) . وكان ابن مسعود قصير القامة جداً . حتى إذا
رؤي قائماً ، ظنوه جالساً فجلس يوماً مع بعض الصحابة ، بدت ساقه . فضحكوا عجباً من
دقتها . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : وأخبر
النبي صلى الله عليه وسلم بأن التسبيح ، والتحميد ، والتكبير من ________________________ (1)
رواه البزار
عن أبي هريرة وإسناده صحيح . (2)
102-103-
المؤمنون . (3)
103-105 –
الكهف . أثقل
ما يجعل في ميزان العبد . وإن لهن دوياً حول العرش . وفي البخاري ومسلم . أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال : » كلمتان حبيبتان إلى الرحمن ، خفيفتان على اللسان ، ثقيلتان في الميزان ،
سبحان الله وبحمده ، سبحان الله العظيم
« . ولهذا قال : » وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض « . لكون التسبيح ،
والتهليل ، والتكبير ، تجعل أجسامنا يوم القيامة على حسب قوة إيمان صاحبها . أو
ضعفه ، ثم قال : » والصلاة نور « ، ولا يخفى أن الصلاة عمود
الديانة ، ورأس الإيمان ، وتهدي إلى الفضائل ، وتكف عن الرذائل . تذكر بالله
العظيم الأكبر ، وتنهي عن الفحشاء والمنكر ، تفتح باب الرزق ، وتيسر الأمر ، وتزيل
الهم والغم ، وهي من أكبر ما يستعان بها على قضاء الحاجات ، وتفريج الكربات ، وسعة
الرزق في الحياة . وكان الصحابة إذا حز بهم أمر من أمور الحياة ،
أو وقعوا في شدة من الشدات ، فزعوا إلى الصلاة . فهي نور المؤمنين في الحياة . كما أنها نور في
القبر ، وعلى الصراط . وقد وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنور . كما في قوله : » بشر المشائين إلى المساجد في
الظلم بالنور التام يوم القيامة « (1) . وقال : » خمس صلوات كتبهن
الله عليكم . من حافظ عليها كن له نوراً ، وبرهاناً ونجاة يوم القيامة . ومن لم
يحافظ عليها . لم يكن له نور . ولا برهان ، ولا نجاة يوم القيامة، وحشر يوم
القيامة مع فرعون وهامان وقارون وأبي ابن خلف بئس قرناء ________________________ (1)
رواه أبو
داود والترمذي وقال حديث غريب . (2)
رواه أحمد
بإسناد جيد والطبراني في الكبير والأوسط وابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر . ولما مر النبي صلى الله
عليه وسلم على قبر حديث عهد بدفن . فقال :
» ما هذا « ؟ . قالوا هذا قبر فلان تاجر . فقال : » والله لصلاة ركعتين أحب إلى
صاحب هذا القبر من الدنيا وما فيها « (1) . ثم قال : » والصدقة برهان « . والبرهان : هو الضياء الشارق . وسمي برهاناً لكونها تبرهن عن
إيمان مخرجها ، وكونه آثر طاعة ربه على محبة ماله ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم
المفلحون ) (2) .
كما سميت صدقة من أجل أنها تصدق وتحقق إيمان مخرجها . والصدقة تطلق على
الصدقة المستحبة ، وعلى الزكاة
الواجبة . كما في قوله سبحانه ( خذ
من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) (3) . فسمي الصدقة
الواجبة الزكاة من أجل أنها تزكي إيمان مخرجها من الشح والبخل ، وتطهره ، كما تزكي
المال : أي تنميه وتكثره ، وتنزل البركة فيه ، حتى في يد وارثه . فما نقصت صدقة
مالا بل تزيده ( وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين ) (4) . ( واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيراً لأنفسكم ومن يوق شح
نفسه فأولئك هم المفلحون ) (5) . وفي الحديث : أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال : » ما طلعت شمس يوماً إلا وبجنبيها ملكان يناديان . يا أيها الناس هلموا إلى
ربكم . فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى . اللهم أعط منفقاً خلفاً ، وأعط ممسكاً
تلفاً « (6) . ثم قال : » والصبر ضياء «
. وأقول: » إن الصبر على ثلاثة أقسام : صبر
على طاعة الله وصبر على ما حرم الله
، وصبر على أقدار الله المؤلمة « . _______________ (1)
رواه المنذري
عن الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة وقال إسناده حسن . (2)
9 – الحشر . (3)
103 – التوبة
. (4)
39 – سبا . (5)
16 – التغابن
. (6)
رواه الإمام
أحمد من حديث أبي الدرداء ورواه ابن حبان والحاكم . فأعلاه الصبر على طاعة الله .
لأن ملازمة الطاعات ، ومواصلة الأعمال الصالحات ، يحتاج إلى صبر ومصابرة ، يقول
الله ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) (1) . وقال : ( يا أيها
الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ) (2) . وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم انتظار الصلاة
بعد الصلاة بالمرابطة . كما سمى شهر رمضان بشهر الصبر . لأن فيه صبر على طاعة الله
، من الصيام والصلاة . وصبر عما حرم الله من الأكل والشرب ، والوقاع في نهار رمضان
. وكل الشرائع المفترضة على العباد فإنها تحتاج في أدائها إلى صبر ومصابرة .
فالمحافظة على الصلاة في الجماعات بطريق الاستمرار تحتاج إلى صبر . وأداء الزكاة
طيبة بها في نفسه ، وافدة عليه كل عام تحتاج إلى صبر ، وكذا صيام رمضان ونوافله ،
وبالخصوص في شدة الحر . يحتاج إلى
صبر . وكذا سائر نوافل العبادات، يحتاج إلى صبر ومصابرة . والثاني: الصبر عما حرم الله ، من الربا
والزنا وشرب الخمور ، وأكل أموال الناس بالباطل ، وقتل النفس بغير حق . فالكف عن كل هذه يعد من الصبر عما حرم
الله . وقد قيل : » لا تنظر إلى ازدحامهم عند المساجد ، ولكن انظر إلى وقوفهم عند الحدود
والمحرمات «.
لأن أفعال الطاعات يفعلها البر والفاجر ، وأما ترك المحرمات فلا يتركها إلا صديق .
وأما الصبر على أقدار الله المؤلمة . فمثل المصائب في الأهل والأولاد وانتقاص
المال أو ذهابه ، بنزول جائحة فيه ، فكل هذه من الصبر على أقدار الله . » وإنما الصبر عند الصدمة __________ (1)
45 – البقرة
. (2)
200 – آل
عمران . (3)
البزار عن
أبي هريرة . وأما قوله : » والقرآن حجة لك أو عليك « . فهذا عدل الله في عباده . فإن الله سبحانه أنزل كتبه ، وأرسل
رسله( رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل )(1). فالقرآن صادق مصدق ، وشافع مشفع
، من جعله إمامه فحافظ على فرائضه ، واجتنب محارمه . فإنه يقوده إلى الجنة . ومن ترك طاعاته ، وارتكب محرماته ،
فإنه يسوقه إلى النار. لأنه يبعث يوم القيامة كالرجل الشاحب يخاصم أقواماً .
ويخاصم دون آخرين ، ويقول في حق من حفظ فرائضه ، واجتنب حدوده ومحرماته ، يا رب
حملته إياي ، فخير حامل : حفظ حدودي ، وحافظ على طاعتي ، واجتنب معصيتي ، ولم يزل
يلقي دونه بالحجج حتى يقال شأنك به . فيأخذه بيده ، ويدخله الجنة . وأما الثاني
فيقول : يا رب حملته إياي ، فبئس حامل ، ضيع فرائضي ، وارتكب معصيتي ، فلا يزال
يلقي بالحجج حتى يقال : شأنك به ، فيكبه على وجهه في نار جهنم . ولهذا قالوا : » ما جالس القرآن أحد فقام سالماً ، بل إما له ، وإما عليه « . وإنما نزل القرآن للاعتبار والتدبر ، وتوطين
النفس على العمل . وهو رسالة من رب العالمين . موجهة إلى عباده المؤمنين . فيها الأمر والنهي ، التبشير
والتحذير ، ومن قرأ القرآن ولم يعمل به ، فقد ضرب الله به مثل السوء ، أي ( كمثل
الحمار يحمل أسفاراً )(2) أي كتباً لا يدري ما فيها . كما
قيل :
_______________ (1)
165 – النساء
. (2)
5 – الجمعة . ورب تال للقرآن والقرآن يلعنه .
ثم قال : » كل الناس يغدو فبائع نفسه ، فمعتقها أو موبقها « . إن الناس كلهم لا يخرجون عن هذين الوصفين ، منهم من هدى الله ،
ومنهم من حقت عليه الضلالة ، يقول الله ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة
الله والله رؤوف بالعباد ) (1) . وبضده قوله : ( ومن الناس من يعجبك قوله
في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام ، وإذا تولى سعى في
الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله
وعند نشر صحائف الأعمال يوم
القيامة . يقول الله : » يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها . فمن وجد خيراً
فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن فانتبهوا من غفلتكم وحافظوا على فرائض ربكم
وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين . _______________ (1)
204 – 206 –
البقرة . (2)
207 –
البقرة. (3)
رواه مسلم عن
أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه . |