الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

التذكير بحديث

" المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف

     وفيه بيان القضاء و القدر على الوجه الصحيـــح "

 

 

     الحمد لله الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير . الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً وهو العزيز  الغفور . وأشهد أن لا إلا الله بيده مواقيت الأعمار ، ومقادير الأمور . وأشهد أن محمداً عبده ورسوله . الداعي إلى كل عمل مبرور .  اللهم صل على عبدك ورسولك محمد . وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً .

     أما بعد : فقد روي مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
» المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير . احرص ما ينفعك . واستعن بالله و لا تعجز . وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا . ولكن قل : قدر الله وما شاء فعل . فإن لو تفتح عمل الشيطان  « (1) . وأقول إن هذا الحديث هو من  جوامع الكلم ومهمات الحكم . فهو بمثابة الموعظة الفصيحة ، والنصيحة الصحيحة التي حث النبي صلى الله عليه وسلم عليها أمته ، وأحب منهم أن يتخلقوا بمدلوله الذي فيه سعادتهم في دنياهم وآخرتهم.

     بدأه بقوله : » المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف  « . لكون القوي  يزيد على الضعيف بقوته ، والقوة في سبيل الحق والعدل مطلوبة شرعاً ومحبوبة طبعاً .

     ولهذا يستحبون الغزو مع الأمير القوي الفاجر ، ويفضلونه على الغزو مع الأمير المؤمن الضعيف . ويقولون إن إيمان الضعيف لنفسه . وضعفه

     _______________________

(1)                 أخرجه مسلم عن أبي هريرة .

 

     يضر الناس . وإن فجور الأمير القوي على نفسه . وقوته تنفع الناس. ولهذا كان من سيرة عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يفضل الأمير القوي ويقدمه في الولاية على الضعيف.كما ولي زياد ابن أبيه وأمثاله وكان يقول : اللهم إني أعوذ بك من جلد الفاجر وعجز الثقة.

     ويستحبون في القاضي أن يكون قوياً من غير عنف وليناً من غير ضعف . حليماً ذا أناة وفطنة . وقد قيل :

نجح الأمور بقوة الأسباب

 

    ما أنت بالسبب الضعيف وإنما 

     فالقوة الممدوحة هنا شاملة للقوة في الدين والدنيا ، لكونه يقوم في أعماله بجد وعزم ، ويأخذ بأسباب الحزم . ولهذا قال : » إحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز « .

     فهذه من أجمع الكلمات ، وأفصح العظات .  ترشد الناس إلى الحرص فيما ينفعه في أمر دينه ودنياه ، وبدنه . فما احتاج إلى علاج يزيل به ضرره ، ويدفع به مرضه ، فإنه يبادر إلى الأخذ به. لأن دين الإسلام يجمع بين مصالح الروح والجسد ، وبين مصالح الدنيا والآخرة ، ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :  » ما نزل من داء إلا وله دواء ، علمه من علمه ، وجهله من جهله « . وقال : » تداووا يا عباد الله  « . و لا تداووا بالحرام . فيستعمل الدواء الكريه المر خوفاً من الوقوع في الضر ، كما قيل :

    نحن في دار بليات 

 

نعالج الآفات بآفات

     يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : » إن الطعن في الأسباب قدح في الشرع . والإعراض عن الأسباب نقص في العقل  « .

     فقول النبي صلى عليه وسلم : » إحرص على ما ينفعك « . يشمل هذا كله ، كما يشمل الحرص على أمر دينه من المحافظة على فرائض ربه التي ينتظم بها أمر حياته . فإنها نعم العون على ما يزاوله من أمر الدنيا . وفي الدعاء المأثور » اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري ، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي  « . وقد مدح الله الذين يقولون ( ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ) (1) . 

     فلا ينبغي للإنسان أن يعجز عن ما يعود عليه نفعه من أمر دينه ودنياه . فإن العجز نتيجته الحرمان . وقد قيل :

    دع التكاسل في الخيرات تطلبها 

 

فما يسعد بالخيرات كسلان

     ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم  » اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ، وأعوذ بك من العجز والكسل ، وأعوذ بك من الجبن والبخل ، وأعوذ بك من غلبة الدين ، وقهر الرجال   « (2).

      إن أضر ما ابتلى به الشخص هو العجز والكسل . وأكثر الناس يجعلون عجزهم توكلاً، وفجورهم قضاء وقدراً .

     فمتى صارحت الشخص ونصحته عن ترك الصلاة مثلاً ، أو نهيته عن شيء من المنكرات، كشرب المسكرات ، إعتذر إليك قائلا : إنه أمر مكتوب علي . فهو كما قيل . عند ترك الطاعات قدري ، وعند ارتكاب المنكرات جبري . نظير ما حكى الله عن المشركين حيث قالوا ( ولو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا وحرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ) (3) . فالمحتج بالقدر حجته داحضة عند ربه ، لأنه باحتجاجه بالقدر يريد أن يبطل الأمر

________________________

(1)                 201 – البقرة .

(2)                 رواه أبو داود عن أبي سعيد الخدري .

(3)                 35 – النحل .

 

والنهي اللذين عليهما مدار العبادات والأحكام ، وأمور الحلال والحرام ، والله سبحانه خلق الإنسان ، وركب فيه السمع ، والبصر والعقل ، ليتم بذلك استعداده لتناول منافعه ، واستعمالها في سبيل قوته ، ووقاية صحته ، وحفظ بنيته .  وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم فعل التداوي في نفسه ، والأمر به لمن أصابه مرض من أهله وأصحابه . وكل ما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته ، وأمر به ، فإنه من الدين الذي يجب اتباعه واستعماله ، ويدخل في  عموم قوله : » إحرص على ما ينفعك ، واستعن بالله ، ولا تعجز  « . فالأنبياء والعلماء دينهم الأمر . وعليه مدار العمل مع إيمانهم بالقضاء والقدر . فهم يقدمون الأمر على القدر . ويحاربون القدر بالقدر ، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لما بلغه أنه قد وقع الطاعون بالشام . فامتنع عن دخول البلد من أجله ، وعزم على الرجوع بأصحابه . ولما قال له أبوعبيدة: أفراراً من قدر الله يا عمر ؟ قال : نعم . وقال : نفر من قدر الله إلى قدر الله .

     ويقولون : القدر لا يمنع العمل ، لا يجب الاتكال عليه ، ولا الاحتجاج به ، إلا في حالة بذله  لأسباب التي تقيه ، وترقيه ، وتحفظه . فمتى غلبه الأمر بعد ذلك ، فإنه يلوم نفسه على تقصيره أو تفريطه .  ولن يلومه الناس ، إذ قد ينزل بالشخص من البلايا والمحن ما لا طاقة له به. ولهذا قال : » لا تقل لو أني فعلت كذا ، كان كذا وكذا  « لأن هذا من اللوم المذموم .

     فالعاقل يأخذ في أموره بالحذر والحزم . وفعل أولي العزم . فمتى غلبه الأمر لا يطيق دفعه ولا رفعه . فعند ذلك يلتجئ إلى قوله هذا قدر الله . وما شاء فعل ، ليسلى بذلك نفسه .

     أما إذا علبه أمر بسبب ضعفه . وعجزه ، وتقصيره بأخذ الحيطة ، ووسائل الوقاية والحفظ  فإنه ملام على عجزه . لا معنى لاحتجاجه بقضاء الله وقدره . ( ما أصابك من حسنة فمن عند الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) (1) .

     ولما قصر الصحابة يوم أحد في حمايتهم ، وأهملوا الشعب حتى دخلت عليهم خيل المشركين من جهته ، فقتلوا سبعين من الصحابة . وكانوا يظنون أنهم لن يغلبوا من أجل أنهم جند الله ، والمجاهدون في سبيله مع نبيه ، وأنهم لن يغلبوا ، فأنزل الله ( أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أني هذا قل هو من عند أنفسكم ) (2) . أي بسبب تقصيركم بحفظ بيضتكم وحماية ثغركم .

    وعاجز الرأي مضياع لفرصته  

 

حتى إذا فات أمر عاتب القدرا

     يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : إن التوكل ، إنما يكون مع الأخذ بالأسباب . وإن ترك الأسباب بدعوى التوكل لا يكون إلا عن جهل بالشرع ، أو فساد في العقل . فالتوكل محله القلب .

     والعمل بالأسباب محله الأعضاء ، والجوارح ، والحركة . والإنسان مأمور بالأسباب . فابتغوا عند الله الرزق ، واعبدوه ، واشكروا له . ( هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور ) (3) .

     » يسأل بعضهم هل الإنسان مخير أم مسير ؟  «

     فالجواب : إن الإنسان مخير : أي فاعل مختار لعمله ، سواء كان خيراً أو شراً . فلا يقع فعل مقصود إلا من فاعل مختار .

________________________

(1)                 79 – النساء .

(2)                 165 – أل عمران .

(3)                 15 – تبارك .

 

يقول الله ( قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها ) (1) وقال ( وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) (2) أما من قال إن الإنسان مسير فإن هذه طريقة الجبرية القائلين إن الإنسان لا يعدوا أن يكون مجبوراً محضاً في جميع أفعاله وتصرفاته  ويصفونه في تصرفه بالريشة المعلقة في الهواء ، تقلبها الرياح اضطراراً لا اختياراً .

     وينشدون في ذلك :

    ما حيلة العبد والأقدار جارية  

 

عليه في كل حال أيها الرائي

    ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له    

 

إياك إياك أن تبتل بالماء

     وأقول إن هذا الشعر هو من الكذب المفترى على الله ، وعلى رسوله ، فهو بعيد عن الحق والعدل . فإن الله سبحانه لم يخلق الإنسان في الدنيا مكتوفاً عن العمل والسعي ، والأخذ بأسباب الحول والقوة ، وسائر ما يؤهله من السعادة والوصول إلى الغاية والنعيم في الدنيا وفي الآخرة يقول الله ( إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً ) (3) . وقال : ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ) (4) فهذه هي الوسائل والأسباب التي تنجيه من  عذاب الدنيا وعقاب الآخرة ، فيكون سعيداً في حياته ، سعيداً بعد وفاته. أما إذا عطل الإنسان هذه المنافع ، ولم يستعملها في سبيل ما خلقت له من عبادة ربه واستعمالها في مصالحه ومنافعه المباحة ، فيكون بمثابة الأعمى والأصم أو كالميت المكتوف . ________________________

(1)                 104 – الأنعام .

(2)                 29 – الكهف .

(3)                 3 – الإنسان .

(4)                 78 – النحل .

 

كما قال سبحانه ( وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله ) (1) وقال : ( أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً ) (2) .

     وحكى سبحانه عن أهل النار (  وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير . فاعترفوا بذنبهم فسحقاً لأصحاب السعير ) (3) فقد خلق الله الإنسان ، وخلق له السمع والبصر والعقل ، وخلق له أيضاً جميع ما يحتاج إليه في الدنيا من المطاعم والمشارب واللباس والأدوية  فكل العقاقير التي يستعملها الأطباء لعلاج الأمراض ، والوقاية من البلاء والوباء ، فهي بالحقيقة من مخلوقات الله التي أنبتها في أرضه ، رحمة منه لعباده بإيصال نفعها إليهم ، وخص كل نوع منها بمرض يزاوله ويشفيه . فهي من قدر الله التي يقدر الله بها دفع البلاء ورفعه ، لكون الدواء أماناً للصحة وقت المهلة فالقائلون : ألقاه في اليم مكتوفاً : هم الجبرية الذين يحتجون بالقدر يحاولون أن ينزهوا أنفسهم عن سوء ما فعلوا من المنكرات وترك الطاعات .

     ويحيلون جورهم وفجورهم ، من تركهم الطاعات ، وارتكابهم المنكرات ، وشرب المسكرات ، إلى القضاء والقدر . وما أذنب القضاء والقدر ، ولكنهم هم المذنبون . فلو تعدى ظالم على أحد هؤلاء بضربه ، أو أخذ ماله ، أو انتهاك محارمه . ثم احتج على سوء فعله بالقضاء والقدر ، فإنه لن يقبل منه هذا الاحتجاج ، لعلمه أنه احتجاج باطل حاول به التوصل إلى باطل ببديهة العقل .  فكيف يقبل على الله في ترك طاعاته ، وارتكاب محرماته .

_______________

(1)                 26 – الأحقاف .

(2)                 44 – الفرقان .

(3)                 10-11- تبارك .

 

     ولهذا يقول بعض العلماء أن يجاوب الجبرية بالصفع على الوجه . ويقال هذا قضاء الله وقدره . كما كنت تحتج به .

     ولما جيء إلى عمر بن الخطاب بسارق قد سرق ، واعترف . فقال له عمر : ما حملك على السرقة ؟ فقال : حملني عليها قضاء الله ، وقدره . فقال : وأنا أقطع يدك بقضاء الله وقدره . ثم أمر به فقطعت يده .

     ومثله احتجاج بعضهم بقول الشاعر :

    جرى قلم القضاء بما يكون  

 

فسيان التحرك والسكون

     وهذا أيضاً : يعد من أفسد الشعر . يتمشى على عقيدة الجبر كما ذكرنا فيما سبق . وهذا القول  وهذا الاعتقاد باطل بمقتضى النقل والعقل . فهم يصورون القضاء والقدر في نفوسهم ، بمثابة الغل في العنق ، والقيد في  ، بحيث لا يتفصى أحد عنه ، ولا محيص للناس منه ، وهو مدفوع بقول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث  » إحرص على ما ينفعك ، واستعن بالله ، ولا تعجز « . والله سبحانه لم يخلق الخلق في الدنيا سدى مهملين مضيعين المكتوفين . بل خلقهم عاملين متحركين مختارين . ونحن نؤمن بأن الله على كل شيء قدير ، وأنه فعال لما يريد ، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله ، وقد جعل الله لكل شيء سبباً ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبؤكم بما كنتم تعملون ) (1) ومن بطأ به عمله ، لم يسرع به اتكاله على قضاء الله وقدره .

     وحقيقة القدر : هو الإخبار عن سبق علم الله بالأشياء قبل كونها ، وأنه يعلم ما كان ، وما سيكون كيف يكون ، لأنه لا تخفى عليه خافية من أعمال عباده . فعلمه بالأشياء قبل وقوعها شيء، والجبر منه عليها شيء آخر .

__________

(1)                 105 – التوبة .

 

       فقد ثبت في صحيح مسلم ، من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: » إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة   « . وهذه الكتابة هي عبارة عن سبق علم الله بالأشياء قبل أن تقع وتكون .

    قال إبن عباس : » إن الله خلق الخلق وعلم ما هو عاملون ، ثم قال لعلمه كن كتاباً ، فكان كتاباً ، فأنزل ( ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير ) (1) ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الإيمان ص 199 .
    وثبت أن الله يدفع القدر بالقدر ، وأن الله يمحو القدر بالقدر . وسمع من دعاء عمر أنه يقول: » اللهم إن كنت كتبتني في أم الكتاب شقياً فامحني وأثبتني سعيداً ، فإنه تمحو ما تشاء وتثبت « . والله يقول : ( يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ) (2) مما يدل على أن هذا المحو قد أزيل به قدر كتاب سابق . وفي حديث ثوبان . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
» لا يرد القدر إلا الدعاء ، ولا يزيد في العمر إلا البر ، وإن الصدقة لتدفع ميتة السوء  « (3). وفي دعاء القنوت. » وقنا واصرف عنا شر ما قضيت « فأثبت في الحديث ، كون الدعاء يرد القدر والقضاء . كما أن الصدقة تدفع ميتة السوء . وكذا قوله : » ولا يزيد في العمر إلا البر « سواء حملناه على زيادة الأيام والليالي ، أو على البركة في العمر ، والكل واقع بقضاء الله وقدره .

        فالأنبياء والعلماء دينهم الأمر ، ويقدمونه على القدر . فقول الشاعر :

               

    جرى قلم القضاء بما يكون  

 

فسيان التحرك والسكون

_______________

(1)                 70 – الحج 

(2)                 139 – الرعد .

(3)                 رواه ابن حبان والحاكم وقال صحيح على شرطهما .

 

هو قول باطل قطعاً ، فلا يكون التحرك مثل السكون ، إذ أن مدار الشرع على  الأمر والنهي ، وأصدق الأسماء حارث وهمام ، فالهمام هو الذي يهم بقبله : سأفعل كذا . والحارث هو الذي يسعى بيديه ورجليه إلى تحقيق آماله والسعي في أعماله وقد قيل :

    المسلم الحق يصلي فرضه  

 

ويأخذ الفأس ويسقي أرضه

    يجمع بين الشغل والعبادة 

 

ليكفل الله له السعادة

    وقد قلنا بأن المرض الذي يصاب به الشخص ، هو من قضاء الله وقدره ، وأن الدواء الذي يعالج به ليشفيه ، هو من قضاء الله وقدره أيضاً . فهم يشربون الدواء الكريه المر ، ليقيهم من الوقوع في الضر كما قيل :

    وخذ مراً تصادف منه نفعاً  

 

ولا تعدل عنه إلى حلو يضر

    فإن المر حين يسر حلو 

 

وإن الحلو حين يصر مر

 
    وقد ثبت في الحديث : »  بادروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطى الصدقة  « .  وفي مراسيل الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :  » حصنوا أموالكم بالزكاة وداووا مرضاكم بالصدقة واستعينوا على حمل البلاء بالدعاء والتضرع  « (1) والدعاء يتعالج من البلاء بين السماء والأرض . فلا يعجز أحدكم من الدعاء . ويقول : إن كان هذا الأمر مكتوباً لي فسوف يأتيني ، دعوت أو لم أدع ، فإن هذه طريقة الملاحدة الذين يحاولون إبطال عبودية الدعاء 
وقد قدر الله بعض الأشياء . ولا يحصلها الإنسان إلا عن طريق الدعاء . وإن لم يدع لم يحصل له ( ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه )
(2) .

        فانتبهوا من غفلتكم ، وتوبوا من زللكم ، وحافظوا على فرائض ربكم ، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين .

_______________

(1)                 رواه أبو داود في مراسيله عن الحسن البصري .

(2)                 من  آية 38 محمد .