![]() |
|
وجوب
الإيمان بما أخبر به القرآن
من
معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
الحمد لله . ونستعين بالله . ونصلى ونسلم على
رسول الله . وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، أما بعد : فقد ثبت في الصحيحين :
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات من آمن به البشر . وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله
إليّ . فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً
يوم القيامة «
. والآيات والمعجزات : تعم كل خارق للعادات
. وتسمى البراهين . وهي كاسمها معجزة لعجز الناس عن معارضتها
والإتيان بمثلها . فمعجزات الأنبياء هي آياتهم وبراهينهم الدالة على صدق بنوتهم
. نصبها الله علامة على صدق رسله ،
والاستدعاء إلى الإيمان بهم ، وقبول دعوتهم . وأنها من صنع الله القادر على كل شيء ، والفعال لما يريد
. ليست من صنع النبي ، ولا من كسبه
. يقول الله : ( وما كان لرسول أن
يأتي بآية إلا بإذن الله ) (1) فالعصا التي بيد نبي الله موسى : هي عصاً مقطوعة من الشجر كعصا أحدنا في
يده ، كما قال سبحانه : ( وما تلك بيمينك يا موسى . قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش
بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى)(2). وإنما صارت آية ومعجزة حين أمره ربه أن يلقيها . ولهذا قال : ( قال ألقها يا موسى . فألقاها فإذا حية
تسعى . قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى ) (3) . أي عصاً معتادة كحالتها السابقة . _______________________ (1)
78 غافر ،
و38 الرعد . (2)
17-18 – طه . (3)
19-21 – طه . وإن المسلم
متى آمن بالله القادر على كل شيء لم يعسر عليه التسليم والقبول لكل ما أخبر الله
به من عجائب رسله ، ومعجزات خلقه ، كخلق آدم من تراب ، ثم قال له كن فكان ، فصار
بشراً سوياً . ثم خلق حواء من ضلع آدم . ثم خلق المسيح من أم بلا أب . وكذا سائر
معجزات الأنبياء والأولياء ، كأهل الكهف الذين قص الله علينا خبرهم . إذ لا بد
للرسل من المعجزات التي تعزز دينهم ، وتستدعي تصديق دعوتهم . فقد أتت الرسل بما
تحار فيه العقول . ولو لا حكاية
القرآن للمعجزات التي أيد الله بها موسى ، وعيسى وسليمان ، وسائر الأنبياء عليهم
الصلاة والسلام ، لكذب الناس بهم وبمعجزاتهم ، وبالكتب النازلة عليهم . وأنه لا
يمكن إثبات آيات الأنبياء السابقين ، إلا بثبوت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ،
والإيمان بالقرآن النازل عليه الذي أخبر الله فيه ( إن هذا القرآن يقص على بني
إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون. وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين ) (1) . وقال : ( نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا
إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين ) (2) . وقال : ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثاً يفترى ولكن
تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء ) (3) وقال: ________________________ (1)
76-77 –
النمل . (2)
3 – يوسف . (3)
111 – يوسف . (4)
99-100 – طه
. (5)
49 – هود . إن من آيات الله ما يجرى
على حسب السنن المطردة في الخلق والتكوين . ومنها ما يجري على خلاف
السنن المعروفة للبشر، مما يدل على قدرة الباري . وإن لله سبحانه خرق العادات في
خلقه ( إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ) (1) . فقد أتت الرسل بما تحار فيه
العقول . إن الناس في المعجزات
وفي الأمور المغيبات على قسمين : أحدهما : الماديون
الطبيعيون ، الذين ينكرون ويكذبون بكل ما لم يدركوه بحواسهم . فهم ينكرون وجود
الرب . ويكذبون بالملائكة ، ويكذبون بالبعث بعد الموت ، ويكذبون بالجنة والنار،
ويبادرون إلى إنكار ما سمعوه من الخوارق والمعجزات التي لم يصلوا إلى حقيقة العلم
بها وفيهم أنزل الله ( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب
الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين . ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين .
وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا برئ مما تعملون ) (2) . فهذا دأبهم في جميع
نظرياتهم العلمية ، يكفرون بآيات الله ، ويكفرون ويكذبون بمعجزات الأنبياء ، ولا
يؤمنون بشيء منها . فهؤلاء يعتبرون مرتدين
عن دين الإسلام إذا كانوا يتسمون بأنهم مسلمون . والمرتد شر من الكافر الأصلي . وقد كثر هذا الصنف في الأمصار التي أفسد التفرنج تربية أهلها
بما يسمون بالمثقفين .
أما الصنف الثاني: فهم
المؤمنون الذين يصدقون بكل ما أخبر الله به ________________________ (1)
82 – يسين . (2)
39-41 – يونس
. تصديقاً جازماً ليس مشوباً بشك ولا
ريب ، سواء أدركوا سر معرفة ذلك بعقولهم ، أو لم يدركوه. فهؤلاء هم المؤمنون حقاً
. الذين آمنوا بالله وصدقوا
المرسلين . وفيهم أنزل الله ( أ لم
ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين .
الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. والذين يؤمنون
بما أنزل إليكم وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون . أولئك على هدى من ربهم
وأولئك هم المفلحون ) (1) . والمعجزة ، إنما كانت
آية ومعجزة لوقوعها من فعل الله ليس للنبي ولا لغيره تصرف في صنعها أو كسبها .
والحكمة في ذلك : أن مجرد قول الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته : إن الله أرسلني
إليكم ، بدون أن يأتي بآية تصدق ما يقول ، فإن ذلك مما يقتضي عدم تصديقه ، وقد سماه الله برهاناً
في قوله تعالى : ( فذانك برهانان من ربك ) (2) يعني العصا واليد . ومن المعجزات إخبار القرآن النازل على محمد عليه الصلاة
والسلام بقصص الأنبياء مع أممهم، وبمعجزاتهم وخوارق العادات التي أيدهم الله بها ،
وتكرار القرآن لأخبارهم ، تارة بطرق البسط، وتارة بطريق الإختصار غير المخل . ولأن اليهود والنصارى قد
بدلوا الكتب المقدسة : كالتوراة والإنجيل ________________________ (1)
1-4- البقرة
. (2)
32 – القصص . وغيروها ، وأدخلوا فيها الشيء الكثير من الكذب على الله وعلى أنبيائه ورسله
، يقول الله سبحانه: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله
ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون ) (1) ، وكانوا يجيزون لعلمائهم القسيسين بأن يغيروا من
شريعة الرب ما يشاؤون ويشتهون ، لأنهم : ( اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أرباباً من ولما كان
هذا القرآن هو المهيمن على الكتب السابقة ، وبمثابة المصحح المصفي لما ذكر فيها فيحق الحق ويبطل الباطل . لهذا أعاد
سبحانه وأبدى من ذكر قصص الأنبياء ومعجزاتهم، ليكون هذا القرآن هو المرجع الوحيد
لك لكل ما يذكر من قصصهم ( إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه
يختلفون . وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين
) (3) . ( يا أهل الكتاب _______________ (1)
79 – البقرة
. (2)
31 – التوبة
. (3)
76- 77 –
النمل . (4)
19 – المائدة
. (5)
15-16 –
المائدة . (6)
28 - سبأ وقال تعالى : ( الذين يتبعون
الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم
بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم
والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل
معه أولئك هم المفلحون . قل يا
أيها الناس إني رسول الله إليكم
جميعاً ) (1) . فكل قصة نجدها تخالف القرآن يجب علينا أن نضرب بها عرض الجدار . إذ ليس لنا حاجة في كل ما يخالف القرآن ،
لعدم الثقة بصحته وكثرة دخول الكذب فيه . ثم إن الأخبار بالآيات
والمعجزات والمغيبات ، لا يجوز معارضتها بالعقل والرأي ، لأنها من صنع الله القادر
على كل شيء ، وليس من صنع النبي ولا من كسبه . فالاستدلال بها والتحدي بمثلها . مع
عجز الناس عن معارضتها . دليل واضح على صحتها . وصدق من جاء بها . من ذلك معجزة القرآن
النازل على محمد عليه الصلاة والسلام . والذي هو الحجة البالغة العظمى على خلقه
. فهو معجزة الدهور ، وآية العصور ،
وسفر السعادة ، ودستور العدالة ، وقانون الفضيلة ، والواقي عن الرذيلة . مأدبة
الله في أرضه . عصمة لمن تمسك به ، ونجاة لمن اتبعه ، لا يخلق على كثرة الرد ، ولا
تنقضي عجائبه ، قرآنا عجباً ، يهدي إلى الرشد . فيه خير الأمم السابقة مع أنبيائهم
، وما جرى منهم ، وما جرى عليهم . ( إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي
هم فيه يختلفون . وإنه لهدى ورحمة
للمؤمنين ) (2) . __________ (1)
158 –
الأعراف . (2)
76-77 –
النمل .
هذا القرآن المشتمل على
مائة وأربع عشرة سورة ، منها السور الطوال والقصار ، مع ما اشتمل عليه من البلاغة
. أنزله الله على هذا النبي العربي الأمي الذي لا يكتب ولا يقرأ المكتوبات، وكما
قيل : كفاك بالأمي معجزة . يقول الله سبحانه : ( وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا
تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون . بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم
وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون ) (1) . وقد تحدى الله جميع الخلق على
أن يأتوا بمثل هذا القرآن _______________ (1)
48 – 49 –
العنكبوت . (2)
88 – الإسراء
(3)
44-46 –
الحاقة . (4)
25 – المدثر
. (5)
5-6- الفرقان
. (6)
102 – النمل
. وللنبي صلى الله عليه
وسلم معجزات غيره : كنبع الماء من بين أصابعه ، وتكثير الطعام القليل ، وغير ذلك .
والمعجزة العظمى هي القرآن . فهو معجزة الدهور وآيات العصور ، ولكل نبي معجزة
تناسب حالة قومه . وقد أيد الله موسى بمعجزات عديدة من أجل أنه أرسل إلى شعب عنيد
، فرعون وهامان ، وقارون . يقول الله سبحانه : ( ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان
مبين. إلى فرعون وهامان ، وقارون فقالوا ساحر كذاب ) (1) وقال : ( ولقد آتينا
موسى تسع آيات بينات ) (2) . وهي : اليد ، والعصا ، والحجر
الذي يحمله ثم يضربه بالعصا فينفجر منه اثنتا عشرة عيناً قد علم كل أناس مشربهم
على قدر عدد الأسباط . وكذلك إنفلاق البحر حينما لحقهم فرعون وجنوده . ( قال أصحاب
موسى إنا لمدركون . قال كلا إن معي ربي سيهدين . فأوحينا إلى موسى أن أضرب بعصاك
البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ) (3)
، أي
كالجبل الشامخ . مثله معجزات نبي الله سليمان . حيث سخر الله له الريح تجري بأمره
رخاء حيث أصاب. فكان يبسط البسط ، فيركب هو وجميع جنوده ومن معه فتقلهم الريح
غدوها شهر ، ورواحها شهر. ومثله معجزة نبي الله
صالح . حيث أخرج الله له ناقة من
صخرة صماء ، لها شرب ولكم شرب يوم معلوم . ( هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في
أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم ) (4) . ومثله نبي الله عيسى ،
حيث كان يخلق من الطين كهيئة الطير ، فينفخ فيه _______________ (1)
23 –24 –
غافر . (2)
101 –
الإسراء (3)
61-63 –
الشعراء (4)
73 – الأعراف
. وأما الآية ، 155-156 من سورة الشعراء ( قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم
معلوم . و لا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم ) . فيكون طيراً بإذن الله ،
ويبرئ الأكمة والأبرص ، ويحيي الموتى بإذن الله ، ويبين للناس ما يدخرون في بيوتهم
. وهذه المعجزات ، يصدق
بها أهل الكتاب من اليهود والنصارى لكونها مذكورة في كتبهم ، ومشهورة بها فيما
بينهم . ولما قيل للنبي صلى الله
عليه وسلم إن اليهود يصومون يوم عاشوراء ويقولون إنه اليوم الذي أنجى الله فيه
موسى وقومه ، وأغرق فيه فرعون وقومه . قال : » نحن أحق وأولى بموسى ، صوموا
يوماً قبله أو يوماً بعده خالفوا اليهود « (1) . فالعلم بهذه المعجزات
والبراهين البينات ، يوجب علماً ضرورياً بأن الله جعلها آية لصدق أنبيائه ورسله
الذين جاءوا بها من الله ، واستدلوا بها على قومهم . وذلك يستلزم أنها خارقة
للعادة وأنه لا يمكن معارضتها ، ولا
الإتيان بمثلها ، لكونها غير مصنوعة . ولا من كسبهم ، ولا معتادة لغيرهم ولهذا
كانوا يعارضون معجزة كل نبي بدعوى أنه ساحر كما قال تعالى: ( كذلك ما أتى الذين من
قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون . أتواصوا به بل هم قوم طاغون ) (2) . أي كان بعضهم يوصى بعضاً بهذه المقالة . وإنما هي من الله عز و
جل . أعلم الله بها عباده بصدق رسله وكتبه . ( وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا
بإذن الله ) (3) . _______________ (1)
وفي مسند
الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال صوموا
يوم عاشوراء وخالفوا اليهود صوموا قبله يوماً وبعده يوماً ، وجاء في رواية أو بعده
. (2)
52-53 –
الذاريات . (3)
78 – غافر
و38 – الرعد . فخوارق السحرة ، والكهان
المشعوذين ، هي من الأمور المعتادة ، المشتركة التي يفعلها الكثير من الناس .
وبالتحقيق فيها سرعان ما يتبين بطلانها . إن ما ابتلي الناس به من
الشرك والكفر ، وعبادة الأصنام ، إلا من أجل إعراضهم عن هداية الأنبياء ، وعدم
الإيمان بهم ، واعتمادهم على آرائهم وعقولهم . إن المسلم متى آمن بالله
القادر على كل شيء ، فإنه لن يعسر عليه التسليم بكل ما أخبر الله في كتابه من
العجائب . كعجيبة خلق آدم من تراب ، ثم خلق حواء من ضلع آدم . وخلق المسيح من أم
بلا أب . إذ لا بد للرسل من العجائب ، لتعزيز دينهم ، وتصديق دعوتهم . ولولا حكاية القرآن لآيات الله التي أيد
الله بها موسى وعيسى ، لكذب الناس بهما وبمعجزاتهما وبالكتب النازلة عليهما . إنه لا يمكن إثبات آيات
النبيين السابقين إلا بثبوت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ما يجري على خلاف السنن
المعروفة للبشر . مما يدل على قدرته
على كل شيء . وإنه فعال لما يريد .
وإن لله سبحانه خرق العادات .
فالماديون الملحدون المنكرون لوجود الخالق وقدرته التامة ، يبادرون بإنكار
ما يسمعونه من الخوارق والمعجزات الذين لم يصلوا إلى حقيقة العلم بها ، أو يتكلفون
التأويلات البعيدة لكل ما يرونه مخالفاً لسنته المعروفة . كما قال تعالى : ( بل
كذبوا ما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف
كان عاقبة الظالمين) (1) وهذا دأبهم في جميع نظرياتهم العلمية . فهم
يكفرون بآيات الله ، ويكذبون بها كلها ، لا يؤمنون بشيء منها . فتراهم يكذبون بكل
ما غاب عن أبصارهم ، وبكل ما لم يحيطوا بعلمه . فيكذبون بوجود الرب ، وبالملائكة ،
وبالجنة والنار . فإفساد هؤلاء الفلاسفة الملاحدة للبشر في أمر دينهم ودنياهم ،
أشد من إفساد النار لهشيم الحطب ، لزعمهم أن الأنبياء يكذبون على الناس ، ويحدثون
الناس بما لا حقيقة له ، وأنهم يتصرفون بما يخالف السنن والنواميس ( ذلك ظن الذين
كفروا فويل للذين من النار ) (2) فكذبوا بالدين من أساسه . وكذبوا بالكتاب ، وبما أرسل الله به رسله.
وهذا يعد من أشد أنواع الكفر بالله ، لأن ضرره يتعدى بما فيه من إضلال الناس
باعتقاد هذا الباطل الذي يتبعه خروج الناس عن الدين ، ويبقون فوضى حيارى لا دين
لهم . فمتى جهر هؤلاء
باعتقادهم في بلادهم ، فإنها لفتنة في الأرض وفساد كبير . فإن الجهر بالكفر
والإلحاد ، هو جرثومة الفساد ، وخراب البلاد ، وفساد أخلاق العباد . أما وظائف الرسل : فإنهم
بشر ، اختصهم الله بالحق ، لتبليغ عباده ما ارتضاه لهم من الدين بالقول والعمل ،
وبالتعليم والإرشاد ، تبشيراُ وإنذاراً ، وتنفيذ أحكام شرعه فيهم بالعدل
والمساواة ولم يؤتهم التصرف في خلقه
بهداية أقرب الناس إليهم ، وأحبهم إليهم من والد وولد والناس أجمعين . فوالد
إبراهيم عاش كافراً ، ومات كافراً ، وولد نوح أول رسل الله إلى خلقه مات
كافراً ولم يأذن الله لنوح بحمله
معه في السفينة . فكان من المغرقين . وكان أبو لهب عم رسول الله صلى الله عليه
وسلم ــ _______________ (1)
39 – يونس . (2)
27 – ص . وهو أشد أعدائه
المؤذين له ، والصادين عن دينه ، وأنزل الله في ذمه ووعيده سورة من القرآن يتعبد
المؤمنون بقراءتها إلى يوم القيامة . وعمه أبو طالب الذي كلفه ورباه ، وكف عنه أذى
المشركين ، واعترف بصدق نبوته ولما قال له عند الاحتضار : » يا عم قل لا إله إلا الله كلمة
أحاج لك بها عند الله « (1) فامتنع ومات على ملة عبد المطلب فأنزل الله ( إنك
لا تهدي من أحببت لكن الله يهدي من يشاء ) (2) ونهى عن أن يستغفر
له فقال : ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى
من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ) (3) لأن من بطأ به عمله
لم يسرع به نسبه . والمقصود : أن معجزات
الأنبياء كلها من الله . لا من كسب الأنبياء ولا من تصرفهم ، كما نطق به القرآن
الكريم في قوله : ( وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله ) (4) . وإن الله سبحانه لم يؤيد
رسله بما أيدهم به من المعجزات ، إلا لتكون حجة لهم على قومهم ، بحيث يهتدي بها
المستعد للهداية منهم . وتحق بها كلمة العذاب على الجاحدين ( إن الذين حقت عليهم
كلمة ربك لا يؤمنون . ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ) (5) . إن الثابت من معجزات
الأنبياء ، وكرامات الأولياء ، كأهل الكهف وغيرهم . فما كانت دلالته من النصوص
القرآنية ، فإنها تعتبر قطعية لا مجال للرأي في إنكارها ، _______________ (1)
رواه الزهري
عن المسيب بن حزن المخزومي . (2)
56 – القصص . (3)
113- التوبة
. (4)
78 – غافر ، 38-
الرعد . (5)
96-97- يونس
. ولا صرفها بمجرد التحكم والتأويل
عن المعنى المراد منها . فقد أتت الرسل بمحارات العقول . فالتكذيب بها يعتبر نقضاً
لقواعد الشريعة المعتبرة القطعية ، ويعتبر ارتدادا عن الإسلام ( بل كذبوا بما لم
يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة
الظالمين ) (1) . قال شيخ الإسلام ابن
تيمية رحمه الله : » إنه يجب على كل مسلم التصديق بما أخبر الله ورسوله . وأنه ليس
موقوفاً على أن يقوم دليل عقلي على ذلك الأمر أو النهي أو الخبر . فإن مما يعلم
بالاضطرار من دين الإسلام . أن الله إذا أخبر في القرآن بشيء ، أو إن الرسول إذا
أخبر بشيء فإنه يجب علينا التصديق به ، وإن لم نعلم بعقولنا حكمته . ومن
لم يقر بما جاء عن الله ورسوله حتى يعلم بعقله ، فقد أشبه الذين قالوا : ( لن نؤمن
لك حتى نؤتي مثل ما أوتي رسل الله ) (2) ومن سلك هذا السبيل ، فليس بالحقيقة مؤمناً بالقرآن ،
ولا بالرسول ، ولا متلقياً عند الأخبار بالقبول ، ولا فرق عنده بين أن يخبر القرآن
أو الرسول بشيء أو لا يخبر به . فإن ما أخبر به إذا لم يعلمه بعقله لا يصدق به .
بل : يتأوله أو يفوضه . وما لم يخبر به إن علمه بعقله آمن به ، ولا فرق عند من سلك
هذا السبيل بين وجود القرآن والرسول ، وبين عدم وجودهما . ويصير ما يذكر من القرآن
والحديث والإجماع عديم الأثر عنده « . انتهي. وسبحان
ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين . _______________ (6)
39 – يونس . (7)
124 –
الأنعام . |