![]() |
|
هجرة
النبي عليه الصلاة والسلام
من
مكة إلى المدينة
الحمد لله معز من أطاعه واتقاه ، ومذل من أضاع
أمره وعصاه ، الذي وفق أهل طاعته بما يرضاه ، وخذل أهل معصيته ، فاستحوذ عليهم
الشيطان ، حبب إليهم الكفر والفسوق والعصيان ، وأنساهم ذكر الله . وأشهد أن لا إله
إلا الله ، وأشهد أن محمداً رسول الله . أما بعد : فإن الله سبحانه بعث نبيه محمداً
صلى الله عليه وسلم على حين فترة من الرسل ، وقد استحكمت في الناس الضلالة ، وخيمت
عليهم الجهالة ، وسادت من بينهم عبادة الأصنام والأوثان والقبور . فأنفذهم الله
ببعثته ، وبركة رسالته ، فجاء بدين كامل ، وشرع شامل ، صالح لكل زمان ومكان ، قد
نظم حياة الناس أحسن نظام ، يهذب أخلاقهم ، ويطهر عقائدهم ، ويزيل كفرهم وشقاقهم ،
ويهديهم للتي هي أقوم . وقد لقي
رسول الله صلى عليه وسلم الشيء العظيم من المشاق والمتاعب في سبيل دعوته إلى دين
ربه كحالة الأنبياء من قبله ، يقول الله سبحانه إن المكارم منوطة بالمكاره ، وإن السعادة لا
يعبر إليها إلا على جسم المشقة والتعب ، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم : إن
الأنبياء هم أشد _______________________ (1)
214 – البقرة
. بلاءً ، فقال : » لقد أوذيت في الله
وما يؤذي أحد ، وأخفت في الله وما يخاف أحد ، ولقد أتت علي ثلاثون من بين يوم
وليلة ، وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال « (1) . إن الله سبحانه لما
اصطفى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم برسالته وامتن على عباده المؤمنين ببعثته ،
أي بداية نبوته ، أنزل الله عليه ( إقرأ بإسم ربك الذي خلق . خلق الإنسان من علق .
إقرأ وربك الأكرم . الذي علم بالقلم
. علم الإنسان ما لم يعلم ) (2) . فهذا هو ابتداء بعثته . وذلك
بعد ولادته بأربعين سنة ، فالفضل كل الفضل في بعثته الذي قال الله فيها ( لقد من
الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم
ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) (3) . أي أن العرب قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم كانوا في شر وشقاء وضلالة
عمياء . ولما أنزل الله عليه (
يا أيها المدثر. قم فأنذر. وربك فكبر. وثيابك فطهر. الرجز فاهجر)(4). شمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ساعد الجد ، وأعلن دعوته . ومكث
بمكة ثلاث عشرة سنة يدعو بين القبائل وفي المواسم ، ويقول » أنا محمد رسول الله . من يأويني ؟ من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي؟ « (5) .
فيلقي من قومه أشد الأذى .
ويعذبون كل من آمن به. غير أن من قبيلته وخاصة عمه ــ أبا طالب ــ كانوا
يحمونه ويذبون عنه العدوان . وقد
دخلوا معه في الشعب ________________________ (1)
رواه الإمام
أحمد في مسنده والترمذي وابن ماجه وابن حبان عن أنس بإسناد صحيح . (2)
1 – 5 –
العلق . (3)
164 – آل
عمران . (4)
1 – 5 –
المدثر . (5)
أنظر زاد
المعاد جـ 1 ص 24 حين
تمالأت قريش على مقاطعتهم حتى يسلموا لهم محمداً ، وكتبوا بذلك صحيفة القطيعة .
والمقاطعة ، وعلقوها على الكعبة ، وفيها يقول أبو طالب في قصيدته المشهورة :
قد أخبره ورقة بن نوفل
بمقتضى فراسته بأنه سيؤذى ويمتحن ، ويخرج من بلده فقال : ثم توفيت خديجة . وكانت
تنفق على رسول الله صلى الله عليه و سلم من مالها ، ثم توفي ولما توفي أبو طالب اشتد
الأذى برسول الله صلى الله عليه وسلم وبمن آمن به ، وخاصة المستضعفين من أصحابه ،
كبلال ، وصهيب ، وسمية . فأمر رسول
الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بأن يهاجروا إلى الحبشة . وقال : » إن فيها ملكاً لا
يظلم أحد بجواره « (2) . فهاجر إلى الحبشة جماعة
من الصحابة . رجال ونساء . فراراً بدينهم من الفتنة ، وبأبدانهم من التعذيب ، منهم
عثمان ابن عفان وزوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومنهم الزبير بن
العوام ، وعبد الرحمن بن عوف ، وجعفر بن أبي طالب. فخرجوا من مكة يمشون على ________________________ (1)
رواه البخاري
عن عائشة . (2)
أنظر زاد
المعاد جـ 1 ص 24 أرجلهم حتى وصلوا إلى سيف البحر .
فاستأجروا سفينة وركبوا فيها حتى انتهوا إلى الحبشة . هذه هي الهجرة الأولى .
فآواهم النجاشي وأكرمهم . وقال لهم أنتم سيوم بأرضي ، اذهبوا حيث شئتم ، من رامكم
بسوء غرم وأثم . ثم تتابعوا إلى الهجرة وكان عددهم يزيد على الثمانين من بين رجال
ونساء . وكان المسلمون في ابتداء
الإسلام مأمورين بالصلاة ، والعفو والصفح ، والصبر على أذى المشركين ، وكانوا
يحبون أن يؤمروا بالقتال لينتصروا .
وأتى عبد الرحمن بن عوف وأصحاب له إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة
فقالوا يا رسول الله . كنا أعزاء ونحن مشركون ، فلما أسلمنا صرنا أذلة؟ فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم : » إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا
القوم «. فلما أمروا بالقتال كرهه
بعضهم ، وودوا لو تأخر فرضه عنهم ، وأنزل الله ( ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا
أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة . فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون
الناس كخشية الله أو أشد خشية .
وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لا لو أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع
الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا. أينما تكونوا يدرككم الموت
ولو كنتم في بروج مشيدة ) (1) . فلما اشتد الأذى برسول
الله صلى الله عليه وسلم وعظم به البلاء .
خرج إلى الطائف يطلب من ثقيف النصرة والتأييد والحماية ، فلم يجد عندهم
قبولاً لدعوته ، وأشلوا عليه سفهاءهم .
فكانوا يرمونه بالحجارة ويقولون ساحر كذاب ، حتى أدموا عقبه . فرجع عنهم حزيناً كئيباً حتى ________________________ (1)
77 – 78 –
النساء . أتى وادي نخلة ــ وهي موضع ميقات أهل نجد ــ فتوضأ وصلى ، ودعا بدعائه
المشهور وقال: » اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس يا أرحم
الراحمين ، أنت رب المستضعفين ، وأنت ربي . إلى من تكلني ، إلى عدو يتجهمني ، أم
إلى قريب ملكته أمري ، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، غير أن عافيتك هي أوسع لي
، أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أضاءت له السموات والأرض ، وأشرقت له الظلمات ، وصلح
عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل علي
غضبك ، أو تنزل علي سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك « (1) . ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد دخول مكة بعد رجوعه من الطائف ،
فمنعه قريش من الدخول ، فأرسل إلى المطعم بن عدي ، وقال : إن قريش منعتني من دخول
بلدي ، وإني أريد أن أدخل في جوارك ، فلبى دعوته ، وأمر بنيه وأخوته أن يلبسوا
سلاحهم فخرج إليه إلى المكان الذي وعده فيه ، فدخل مكة ، فطاف بالبيت وهم محدقون
به . ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في قتلى بدر : » والله لو كان المطعم بن عدي حياً فسألني هؤلاء القتلى لتركتهم له « . وكان جميع عرب الحجاز ونجد مع قريش على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فلما استجاب الأنصار لدعوته على أن يمنعوه ، ويمنعوا كل من هاجر إليهم من أصحابه ،
مما يمنعون منه أهلهم وأولادهم ، وتواثقوا معه على ذلك ليلة العقبة ، فعند ذلك أمر
رسول الله صلى الله عليه وسلم كل من أسلم بأن يهاجروا إلى المدينة ، فكانوا يخرجون
إرسالا ، ويهاجرون على _______________ (1)
رواه
الطبراني عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب . سبيل الاختفاء من
قريش . وكانت قريش يصادرون أموال كل من هاجر منهم ، وأنزل الله سبحانه ( أذن للذين
يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير . الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق
إلا أن يقولوا ربنا الله ) (1) . وهذه هي أول آية نزلت في الإذن بالقتال ، لهذا كان قتال رسول
الله صلى الله عليه وسلم لقريش ولسائر العرب ، كله دفاعاً عن الدين ، وعن أذى
المعتدين. ولما اشتد الأذى برسول
الله صلى الله عليه وسلم وتألبت قريش بالعداوة له ولأصحابه ، ثم اتفقوا في أن يختاروا
من كل قبيلة رجلاً فيضربونه جميعاً بسيوفهم في وقت واحد ، حتى يضيع دمه من بينهم .
فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على كيدهم ومكرهم ، وأنزل الله ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو
يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) (2). وعلى أثر هذه الممالئة
على قتله ، حصل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة شيء من الخوف من
هجومهم عليه ، إذ سمع حركة سلاح ، فأطلع فقال : » من هذا ؟ فقال أنا ربيعه بن كعب
الأسلمي أحرسك يا رسول الله لتنام . فقل له سل . فقال أسألك مرافقتك في الجنة .
فقال أو غير ذلك ؟ فقلت هو ذلك .
قال فأعني على نفسك بكثرة السجود
«
رواه مسلم . ثم إن الله سبحانه أمر
رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة في شهر ربيع الأول على القول الصحيح ، وكان
رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخطئه يوم إلا ويأتي بيت أبي بكر ، إما بكرة ، أو
عشية ، حتى إذا كان _______________ (1)
39-40 – الحج
. (2)
30 – الأنفال
. اليوم الذي أذن الله
فيه بالهجرة ، والخروج من مكة . أتى إلى أبي بكر بالهاجرة في ساعة كان ثم إنهما استأجرا عبد
الله بن أريقط هادياً خريتاً وكان مشركا على دين قومه ، فخرج رسول الله صلى الله
عليه وسلم على حين غفلة من قومه لم يعلم بخروجه أحد إلا على ابن أبي طالب رضى الله
عنه . فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يتخلف حتى يؤدي الودائع التي عند
رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعى ــ
الأمين . وليس بمكة أحد عند شيء
يخشى عليه ، إلا وضعه عنده ، لما يعلم من صدقه وأمانته . فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم
خائفاً مختفياً صحبة أبي بكر ، وعمدا إلى غار ثور ــ وهو جبل بأسفل مكة ــ فدخلاه
، وأمر أبو بكر مولاه عامر بن فهيرة بأن يرعى غنمه بالنهار ، ثم يريحها عليهما إذا
أمسى في الغار ، لتخفي أثرهما ، ويشربان من لبنها ، ففعل ذلك . وخرجت قريش في طلب رسول
الله صلى الله عليه وسلم . وهم يمرون بالغار ويقول يقول الله
تعالى ( إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني أثنين إذ هما في
الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا . فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود
لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ولكمة الله هي العليا والله عزيز حكيم ) (2) . فمكث في
الغار ثلاثة أيام ، ثم خرجا منه ، لسفرهما إلى المدينة ، ونظر رسول الله صلى الله
عليه وسلم إلى مكة وقال : » والله أنك لأحب بلاد
الله إلي ، ولولا أن قومي أخرجوني منك لما خرجت « . ثم إن المشركين من قريش
ذهبوا في طلبهما كل مذهب من سائر الجهات
، وجعلوا لمن ردهما ، أو رأوا أحدهما مائة من الإبل عن كل واحد منهما ،
فجاء رجل إلى قوم جلوس فيهم سراقة بن مالك بن جعشم . فقال يا سراقة إني رأيت أسودة
بالساحل ، ولا أراها إلا محمد وأصحابه ، فقال سراقة : » فعرفت أنهم هم . فقلت له إنهم ليسوا بهم ، ولكنك رأيت فلاناً وفلاناً أريد أن أعمي
خبرهما ، حتى أفوز بالجعل . ثم قمت فدخلت بيتي وأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي ، وأخذت
رمحي ، وركبت فرسي ، فدفعتها حتى قربت منهم . فعثرت بي فرسي ، فخررت عنها ، حتى
إذا قربت منهما ، إذ سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله
عليه وسلم لا يلتف ، وأبو بكر يكثر الالتفات « . _______________ (1)
رواه الإمام
أحمد عن أنس . (2)
40 – التوبة
. ويقول أبو بكر يا رسول
الله ، لحقنا الطلب . ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ولما سمع أبو جهل بخبر
سراقة بن مالك ، أخذ يعنفه ويلومه ، حيث لم يردهما ، فقال سراقة بن مالك مجيباً له
:
ثم إن رسول الله صلى
الله عليه وسلم مر بخيمتي أم معبد الخزاعة وكانت إمرأة برزة جلدة ، تحتبي وتجلس
بفناء الخيمة ، فتطعم وتسقي الناس . فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل هل
عندك من لحم ، أو لبن نشتريه ، فلم يجدوا عندها شيئاً من ذلك ، وقالت لو كان عندنا
من ذلك شيء ما أعوزكم القرى . كان
القوم مرملين مسنتين ، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة عجفاء في كسر
خيمتها ، فقال : ما هذه الشاة يا أم
معبد ؟ فقالت : هذه شاة خلفها الجهد عن الغنم . فقال : هل فيها من لبن ؟ فقالت :
هي أجهد من ذلك . قال : أتأذنين لي أن
أحلبها ؟ فقالت : إن كان بها حليب فاحلبها ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم
للشاة ، ومسحها ، وذكر إسم الله عليها ، فدرت واجترت وتناجفت ، ودعا بإناء لها
يربظ الرهط ، فحلب فيه حتى ملأه ، فشربوا عللا بعد نهل ، ثم حلب فيه ثانياً ،
فغادره عندها ، ثم ارتحل . فجاء زوجها أبو معبد ، فسألها عن هذا اللبن ، فأخذت
تخبره خبره وتستقص صفته. فقال : هذا صاحب قريش الذي كانت تطلبه . وقد قيل في ذلك :ـ
ودخل المدينة بعد الزوال
، فتنازعه القوم كلهم يريد أن ينزل عنده ، فقال : سأنزل على بني النجار ، أخوال
جده عبد المطلب ليكرمهم بنزوله عندهم ، فنزل على أبي أيوب الأنصاري وكان قد أقام
بقباء يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس ، وصلى بالناس الجمعة وهي أول جمعة
صلاها بالمدينة ، وأسس مسجد قباء ، ثم ركب ناقته ، فجعلت قبائل الأنصار يعترضونه
في طريقه ، كل منهم يطلب نزوله عنده ، ويقولون هلم إلينا ، فعندن العدد والمنعة ،
ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : » خلوا سبيلها فإنها
مأمورة « (1) . حتى أتت موضع مسجده الآن ، فبركت به ناقته . صلى الله عليه وسلم .
وحفظ من قوله ( رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطاناً
نصيراً ) (2) . ومن جميل شعر الأنصاري
في هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم قول قيس بن صرمة ، كان بن عباس يتردد عليه
ليحفظها .
_______________ (1)
ذكره ابن
هشام في السيرة جـ 2 ص 101 طبعة دار الجيل . (2)
80 – الإسراء
. |