![]() |
|
فضل القرآن وتفسير قوله :
"
إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة "
الحمد لله رب العالمين وبه نستعين ، ونعوذ
بالله من شرور أنفسنا ، وسيئات أعمالنا ، ومن همزات الشياطين ، وأشهد أن لا إله
إلا الله الملك الحق المبين ، وأشهد أن محمداً نبيه ورسوله المبعوث رحمة للعالمين
، وحجة على الخلق أجمعين . اللهم صل على نبيك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . أما بعد : فقد قال الله تعالى ( إن الذين
يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن
تبور ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور ) (1) وقال تعالى عن هذا القرآن ( هذا بلاغ للناس
ولينذروا به ) (2) . وقال ( تنزيل من
الرحمن الرحيم . كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون ، بشيراً ونذيراً
فأعرض أكثرهم فهم _______________________ (1)
29 – 30 –
فاطر . (2)
52 – إبراهيم
. (3)
2-4 – فصلت . (4)
15 – المائدة
. فلو تدبر
أحدكم كتاب الله وعمل بما فيه من الوصايا الفصيحة ، والنصائح الصحيحة ، لصار
سعيداً في نفسه ، سعيداً في أهله ، سعيداً في مجتمع قومه . فتلاوة
القرآن بالتدبر ، وتوطين النفس للعمل به عبادة ، وللقارئ بكل حرف عشر حسنات ، مع
ما يكتسبه من رفيع الدرجات في الجنات . فإنه يقال للقارئ إقرأ وأرق في درج الجنة .
وإنما نزل
القرآن للعمل به ، لا لمجرد التغني بتلاوته . والذي يقرآ القرآن ولا يعمل به قد
ضرب الله به مثلا السوء ، أي كمثل الحمار يحمل أسفاراً ـــ أي كتباً لا يدري ما
فيها . وكما قيل:
يقول الله تعالى ( مثل
الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين
كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين ) (1) . وهذه الآية وإن نزلت في
اليهود الذين كلفوا العمل بالتوراة ثم لم يعملوا بها ، فإنها منطبقة بالدلالة
والمعنى على الذين كلفوا العمل بالقرآن ثم لم يعملوا به ، لأن الاعتبار في القرآن
هو لعموم لفظه لا بخصوص سببه فقوله ( قل يا أهل الكتاب لستم على شيء
حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم ) (2) . هو بمعنى قوله يا
أهل القرآن لستم على شيء حتى تقيموا القرآن . ________________________ (1)
5 – الجمعة . (2)
68 – المائدة
.
وما تلا أحد كتاب الله
في بيته ، إلا نزلت عليهم السكينة ، وغشيتهم الرحمة ، وحفتهم الملائكة ، وذكرهم
الله فيمن عنده ، وينبسط الرزق ، ويكثر الخير ، في ذلك البيت الذي تصلى فيه
النوافل ، ويتلى فيه القرآن ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم » لا تجعلوا بيوتكم قبوراً « أي تهجروه من فعل نوافل الصلاة فيها ، وتلاوة القرآن . ثم إن القرآن يبعث يوم القيامة شافعا مشفعاً
، وماحلاً مصدقاً ، من جعله إمامه وعمل بأوامره ، واجتنب نواهيه ، صار خصماً دونه
يقول : يا رب حملته إياي ، فخير حامل . حفظ حدودي ، وعمل بطاعتي واجتنب معصيتي ، ولا يزال يلقى إليه بالحجج ،
حتى يدخله الجنة . وإن كان غير ذلك : صار
القرآن خصماً له يحاجه عند ربه ، فيقول: يا رب حملته إياي فبئس حاملاً ضيع حدودي ،
وترك طاعتي ، وارتكب معصيتي ، ولا يزال يلقي إليه بالحجج ،حتى يقال: شأنك به . فيأخذه ويكربسه على وجهه في نار
جهنم يقول الله : ( وقال الرسول يا
رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً ) (1) وهذا الهجران يحمل
على هجر التلاوة ، وهجران العمل به ، نزلت حيث أصرت قريش على معصية الرسول ، وعدم
الإصغاء إلى القرآن الذي جاء به : وهو ينطبق على كل من هجر تلاوة القرآن ، وهجر
العمل به . ورب تال للقرآن والقرآن يلعنه. يتلو قوله ( حافظوا على الصلوات ) وهو
مضيع لها ، ________________________ (1)
30 – الفرقان
. ويتلوا قوله ( وأتوا الزكاة ) وهو
يأكلها ، ويتلو قوله ( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان
فاجتنبوه ) وهو يدمن شرب الخمر صباحاً ومساءً . إنه يستحب تحسين الصوت
بالقرآن ، لحديث » حسنوا القرآن بأصواتكم فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً « (1) . وقال : » من لم يتغن بالقرآن فليس منا
« (2) . والتغني تحسين الصوت ،
لكون تحسين الصوت به مدعاة إلى الإصغاء والاتعاظ والاعتبار . كثيراً ما يقرن سبحانه
بي تلاوة القرآن وإقامة الصلاة ، لأن القرآن يذكر بإقامة الصلاة لله . يقول الله ( أتل ما أوحى إليك من الكتاب
وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر ) (5) . وقال ( إنما المؤمنون
الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم
يتوكلون . الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. أولئك هو المؤمنون حقاً) (6) . فقد أوجب الله على
أهل الإسلام المؤمنين بالقرآن بأن يقيموا الصلاة ________________________ (1)
رواه الدارمي
ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة والحاكم عن البراء بن عازب . (2)
رواه أبو
داود بإسناد جيد . (3)
متفق عن أبي
هريرة . (4)
29 – فاطر . (5)
45 –
العنكبوت (6)
2 – 4 –
الأنفال . المفروضة على التمام ، ثم إن التعبير بإقامة الصلاة : هو أكمل وأشمل من
التعبير بالإتيان بالصلاة ، لأن معنى إقامة الصلاة : هي أن تأتي بالصلاة مقومة
معدلة بخشوع وخضوع في السجود ، والركوع ، على صفة ما شرعه رسول الله صلى الله عليه
وسلم بقوله » صلوا كما رأيتموني أصلى « (1) ، وكثير من الناس يأتي بصورة الصلاة على سبيل
العادة لا العبادة ، إن للصلاة ميزاناً توزن
به . ولا تسمى صلاة حتى تكون على وفق ما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في
الأقوال والأفعال .
وميزان الصلاة الشرعي :
: هو ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الأعرابي المسيء في صلاته حين ساقه
الله لتعليم الناس كيفية الصلاة المشروعة . وحاصله ، ما ثبت في البخاري ومسلم ، أن
النبي صلى الله عليه وسلم كان جالساً في المسجد فدخل رجل أعرابي ، فصلى . ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم
فقال : السلام عليك يا رسول الله ، فقال : وعليك السلام . إرجع فصل . فإنك لم تصل . فعل ذلك ثلاث
مرات . فقال : والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا. فعلمني . فشرع النبي في تعليمه
الصلاة المشروعة . _______________ (1)
رواه البخاري
من حديث مالك بن الحويرث . (2)
رواه
الطبراني في الأوسط من حديث أنس بسند ضعيف ، والطيالسي والبيقهي في الشعب من حديث
عبادة بن الصامت بسند ضعيف ، ونحوه (العراقي تخريج أحاديث الأحياء) . وإنه يجب علينا الآن بأن نصغي إلى هذا التعليم بالآذان
، وأن نفرغ له الأذهان ، ثم نوطن أنفسا على العمل به على التمام . فإن فائدة
الاستماع الاتباع . وقد مدح الله
الذين يستمعون القول فيتعبون أحسنه . لهذا شرع النبي صلى الله
عليه وسلم في تعليم هذا الجاهل فقال:
» إذا قمت إلى الصلاة فاسبغ
الوضوء « . فأمره بإسباغ الوضوء
وهو إيصال الماء إلى مواضع الأعضاء : لأن مفتاح الصلاة الطهور . ولا يقبل الله
صلاة من أحد حتى يتوضأ . وفي حديث ثوبان : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال » استقيموا ولن تحصوا . واعملوا أن خير أعمالكم الصلاة ، ولا يحافظ على
الوضوء إلا مؤمن «
. والوضوء مأخوذ من الوضاءة ، وهي
النظافة ، لأن دين الإسلام دين النظافة .
ثم إن الوضوء يكسب الأعضاء
نشاطاً وقوة عند قيام للصلاة ، كما أنه سبب في تكفير السيئات . في الصلاة . قال : » ثم استقبل القبلة وكبر « . فأمره باستقبال القبلة عند الشروع في الصلاة ، لأنها شرط في حق
من قدر على ذلك . أما إذا كان في
طائرة ، أو في سيارة فإنه يصلى حيث توجهت به الطائرة أو السيارة ، مستقبل القبلة
أو مستدبرها ، إذ لا يمكنه إلا ذلك . ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها ( فأينما تولوا
فثم وجه الله ) (1) . قال : » فاستقبل القبلة وكبر « وهذا يفيد عدم مشروعيته الجهر بالنية للدخول في الصلاة ، لأن
النية قلبية ، كان النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة
بالحمد لله . كما ثبت ذلك من حديث
عائشة أن أنه لا يتلفظ بالنية عند التكبير ، ولم تثبت عند أحد من الصحابة _______________ (1)
115- البقرة
. قال : لا . إذ لم ينقل عن النبي
ولا عن أحد من أصحابه . ولقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة. ومن السنة : أن الإنسان
إذا كبر تكبيرة الإحرام ، فإنه يضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره . حتى يكون
كالأسير الذليل عند ربه ، ولآن هذا أعون على حضور قلبه وخشوعه في صلاته ( قد أفلح
المؤمنون الذين في صلاتهم خاشعون ) (1) . قال » ثم أقرأ ما تيسر معك من القرآن « ولم يذكر فاتحة الكتاب ، لأن الناس حديثو عهد بجاهلية . وأكثر الأعراب لا يحفظون فاتحة الكتاب ،
وقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله . إني لا أحسن
شيئاً من القرآن في الصلاة ، فعلمني . قال : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر . قال : يا
رسول الله ، هذا لربي ، فما لي ؟ قال : قل : الله اغفر لي وارحمني واهدني وعافني
وارزقني . وأما من يحفظ الفاتحة . فإن قراءتها ركن في الصلاة ، لقول النبي صلى عليه وسلم قال » ثم اركع حتى تطمئن راكعاً « . ومعنى تطمئن أي
تسكن وتركد في ركوعك ، لأن لب الصلاة الخشوع . وأدنى الكمال هو أن يقول الإنسان في
ركوعه : سبحان ربي العظيم ثلاث مرات ، والسنة أن يساوي رأسه بظهره فلا يرفع رأسه ولا يخفضه . قال » ثم أرفع « أي من الركوع » حتى تطمئن قائماً « أي يعتدل جسمك . ففي الحديث » لا صلاة لمن لم يقم صلبه من الركوع « . قال » ثم اسجد حتى تطمئن
ساجدا «
. ويجب أن يسجد على سبعة أعضاء : الوجه ومنه الأنف ، واليدين ، والركبتين ، وأطراف
القدمين ، قال » ثم ارفع حتى تعتدل جالسا ، ثم افعل ذلك كلها« فهذه هي الصلاة المشروعة الجديرة بأن تصعد إلى الله ، فتشفع لصاحبها ، وتقول : » حفظك الله كما حفظتني « . وما نقص من
الصلاة الموصوفة منها ، فإنه بمثابة الاختلاس . وأسوأ الناس سرقة الذي يسرق من
صلاته ، فلا يتم ركوعها ولا سجودها . أما ترك الصلاة بالكلية
، فإنه حقيقة في الكفر ، بمقتضى الدليل والبرهان والسنة والقرآن ، فقد قال علماء
الإسلام : إنه لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة . وفي صحيح مسلم ، عن جابر، أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال : » بين الرجل وبين
الكفر ترك الصلاة « . أما قوله ( وانفقوا مما
رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور . ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ) (1) . فكثيراً ما يقرن القرآن بين إقامة الصلاة وبين النفقات في الزكاة
والصدقات . ولأن المسلم بما أنه متعبد بالصيام والصلاة ، فإنه متعبد أيضاً بالزكاة
والصدقات ، لآن المال مال الله والله مستخلفه عليه ، وناظر كيف يعمل فيه . يقول الله ( وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين
فيه فالذين أمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير ) (2) وقال ( وأنفقوا مما
رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن
من الصالحين ) (3) وفي الحديث » ما طلعت شمس يوم إلا وملكان يناديان .. يا أيها الناس ، هلموا إلى ربكم ،
فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى . اللهم أعط منفقاً أو أعط ممسكاً تلفاً « رواه أحمد وابن حبان في
صحيحه والحاكم . _______________ (1)
من 9 و30 –
فاطر . (2)
7 – الحديد . (3)
31 –
المنافقون . فأثر
هذا واقع محسوس ، وان المتصدقين هم أسعد الناس في الدنيا والآخرة ، فإنها ما نقضت
الصدقة مالاً . بل تزيده ( وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه و هو خير الرازقين ) (1) . فمن
رزقه الله من هذا المال رزقاً حسناً ، فليبادر بأداء زكاته ، ولينفق منه سراً
وعلناً، حتى يكون أسعد الناس بماله ، فإنما للناس ما قدم . ( واسمعوا وأطيعوا
وأنفقوا خيراً لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) (2) . أسأل
الله سبحانه أن يعمنا وإياكم بعفوه ، وأن يسبغ علينا وعليكم واسع فضله وأن يدخلنا برحمته في الصالحين من عباده
، وأن يعيينا على ذكره وشكره وحسن عبادته . _______________ (1)
39 – سبا . (2)
16 – تغابن . |