![]() |
|
فضل العلم وتعلّمه وتعليمه
الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره ، ، ونعوذ
بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا . وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن
محمداً رسول الله . أرسله بالهدى
ودين الحق ليظهره على الدين كله . اللهم صل على نبيك محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم
تسليماً كثيراً . أما بعد : فإن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان
وعلمه البيان ، وجمله بالنطق ، وشرفه بالإيمان ، وفضله بالعلم والعقل على سائر
الحيوان . أوجد الإنسان من العدم لا
يعرف شيئاً . فيسر له أسباب العلم والعرفان ، فقال سبحانه ( والله أخرجكم من بطون
أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع الأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ) (1) . وقد بالغ الإسلام في
الحث على العلم وتعلمه وتعليمه وتوجيهه إليه . لكون الإنسان مهما كان فإنه لا يقوى
ولا يرقا إلا بالعلم . وكما قيل :
فإن شرف العلم وفضله هو بشرف مدلوله وما يئول
إليه . فالعلم الممدوح في القرآن ، هو علم الدين : كالعلم بكتاب الله وسنة رسوله .
ثم العلم بالأحكام ، وأمور الحلال والحرام ، ثم العمل به . فمن عمل بما علم ،
أورثه الله علم ما لم يعلم . أما من لم يعمل بعلمه ، فقد قالوا : أنه يعذب
مع عبدة الأوثان وأنشدوا :
_______________________ (1)
78 – النحل . ورأس العلم
: خشية الله . أما المعارف بأمور الدنيا فليست من العلم الممدوح في القرآن ،
لدخولها في قوله ( يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون) (1) . لكن يمدح
منها تعلم ما لا بد منه للمسلمين من حاجة . كتعلم السلاح ، وسائر وسائل القوة مما
ينكى به العدو . فقد ورد أنه يدخل الجنة بالسهم الواحد ثلاثة : صانعه الذي يحتسب
بصنعته ، والممد به ، والرامي به . وقد أوجب
العلماء تعلم ما يحتاج إليه الناس في حياتهم من سائر الصناعات المباحة . كالحدادة
والنجارة ، والحياكة ، والزراعة . وأن الناس متى تركوا تعلم هذه الأشياء أثموا. وعدوا من
الصدقة أن تعلم جاهلاً ، أن تصنع لأخرق .
ومثله الممدوح في القرآن فإنه ينصرف إلى العقل الديني الذي يعقل صاحبه على
الفرائض والفضائل ، ويردعه عن منكرات الأخلاق والرذائل ، أو لكونه يعقل عن الله
مراده وأمره ونهيه كما قيل :
أما العقل المقصود على
الحذق في الدنيا ، ومعرفة أسبابها ، وطرقها ، فليس له من ذكر عند الله ، يقول الله
( وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً ذلك بأنهم قوم لا يعقلون) (2) . فنفي الله عنهم العقل الصحيح ، لعدم إجابتهم لنداء الصلاة : الذي هو
نداء إلى الفلاح والفوز والنجاح بخير الدنيا والآخرة . وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على تعلم العلم ________________________ (1)
7 – الروم . (2)
58 – المائدة
. النافع مما يتعلق
بأمور الدنيا والدين : فقال : » من سلك طريقاً يلتمس
فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة « (1) وهذا الثواب والأجر يحصل لمن سلك طريقاً إلى
جامعة أو مدرسة بنية خالصة لله لتعلم مبادئ العلوم والكتابة ، فيتعلم ويعلم غيره ،
لأن العلم بالتعلم. قال تعالى : ( قل هل
يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب) (2) . وقال سبحانه ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) (3) . ولا يزال القرآن يطالب
أهله المؤمنين به بأن يتلقوا العلم من كل من جاء به ممن هو دونهم أو فوقهم إذ قد
يخفى على العالم الفاضل ما عسى أن يظهر للمفضول . ( وفوق كل ذي علم ومن كلام علي رضى الله
عنه : » قيمة كل امرئ ما يحسن من العلم « . وهذه الكلمة غاية في
البلاغة وفي البحث على العلم . وإن من لا علم عنده فإنه كاسد لا قيمة له . ويوصف بالجاهل وبالساذج . وقد أخذ هذه الكلمة بعض الشعراء فأنشد .
________________________ (1)
من رواية
مسلم عن أبي هريرة . (2)
9 – الزمر . (3)
11 –
المجادلة . (4)
76 – يوسف . (5)
114 – طه .
إن أول ما
أنزل الله في كتابه : الامتنان بتعليم الكتابة ، التي هي مفتاح العلوم والمعارف .
فقال سبحانه : ( إقرأ بإسم ربك الذي خلق . خلق الإنسان من علق . إقرأ وربك الأكرم . الذي خلق . خلق
الإنسان من علق . إقرأ وربك الأكرم . الذي علم بالقلم . علم الإنسان ما لم يعلم )(1) . فهذه الآية
تمهد للتوسع في العلم ، والاستعانة عليه بالكتابة ، لأن العلم صيد والكتابة
قيده. وتشير إلى محو الأمية أو
تقليلها . وإنه لمن المعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نشأ أمياً وأمية
الرسول صلى الله عليه وسلم هي معجزة من معجزات نبوته ، لئلا يتطرق إليه ، ________________________ (1)
1 – 5 –
العلق . (2)
157 –
الأعراف . (3)
48-49 –
العنكبوت . ومع أمية
الرسول صلى الله عليه وسلم فإنها كانت تنزل عليه السورة الطويلة كسورة الأنعام
فإنها نزلت عليه جملة واحدة . فقام حافظاً لها من ساعته بدون أن ينس حرفاً منها .
وهذه الأمية هي من معجزات نبوته .
ولم تكن من سنته . حيث لم يأمر بها أحداً من أمته . وكان الغالب على قريش
زمن بعثته الاتصاف بالأمية ، أشبه الأعراب المتنقلة. وقد سماهم الله بذلك فقال سبحانه: (هو الذي بعث في الأميين
رسولاً منهم يتلو عليه آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي
ضلال مبين ) من سورة الجمعة . فالقرآن
وبعثة محمد عليه الصلاة والسلام أنشأت العرب نشأة مستأنفة جديدة . فاستبدلوا
بأرواحهم الجافية الجاهلة : أرواحاً جديدة دينية ، جمعت بين الحضارة والمدنية ،
وبين العلوم والمعارف الدينية . صيرتهم إلى ما صاروا إليه من العز والمجد والعلم
والعرفان . فجمعوا بين التدين وبين الإبداع في الحياة من الحضارة والعمران .
فكانوا هم العلماء والبلغاء ، والخطباء . ومن صفة الرسول صلى الله عليه وسلم أنه
يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم بما يهذب أخلاقهم. وفي وقعة
بدر لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالأسرى من بعد الفراغ من القتلى ، وكان
القتلى سبعين ، والأسرى سبعين . فضرب على كل واحد منهم فداءً من نقود الذهب يلزمه
أداؤه. فقابل الأغنياء بأداء ما عليهم .
ومنهم العباس ، وغيره وبقي بقيتهم الذين لا يستطيعون الأداء. فأمرهم النبي
صلى الله عليه وسلم بأن يعلموا الصحابة القراءة والكتابة في مقابلة ما عليهم من
الفداء . مما يدل على مجاهدة الرسول صلى الله عليه وسلم على محو الأمية ، وتعميم
التعليم لأصحابه ، لكون الأمية نقص في الشخص . ما عدا رسول الله صلى الله عليه
وسلم فإنها من معجزات نبوته . وليست من سنته ، حيث لم يأمر بها أحداً من أصحابه . وضد الأمية
العلم . ومن شرف العلم ، أن كل أحد يدعيه ، ومن قبح الجهل أن كل أحد يتبرأ منه ،
وإن كان قد رسخ فيه . ثم إن الله
سبحانه أمر في كتابه بالكتابة ، وجعلها من مكملات الشخص وضرورياته ، بحيث يحفظ بها
حقوقه ، وماله ، وما عليه ، وتكون كسباً له في حال عسرته كما قيل :
يقول الله سبحانه ( يا
أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل
ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه .. إلى قوله … ولا تسئموا أن تكتبوه
صغيراً أو كبيراً إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا …
إلى قوله … وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم
) (1)
. فهذه الآيات المحكمات
تحث على الكتابة ، وتبين حاجة الشخص والمجتمع إليها ، وكل ما أمر الله به في كتابة
من مثل هذه الآية فإنها من أحكام ديننا .
فإهمال الشهادة على الديون الغائبة. والتفريط في عدم الكتابة ، يعتبرها
القرآن فسوقاً عن أمر الله ، وخروجاً عن طاعته . _______________ (1)
282 – البقرة
. وبما أن الحكومة المكرمة ، قد
عملت عملها وبذلت أسبابها ، وفتحت أبوابها لتعميم التعليم للقراءة والكتابة لكل
الكبار الذين يشتغلون بالنهار ولا يفرغون إلا في أوقات العطل من طرفي النهار ، أو
بالليل . فعملت الحكومة هذا العمل ، حرصاً منها على العلم ، ومحاولة محو الأمية .
لهذا ينبغي للعاقل أن يواثب هذه الفرصة في الحصول على العلم ما دامت الفرصة ممكنة
، وبابها مفتوح . لكون
الكتابة من الكمال والفضيلة ، كما أن الجهل بها يعد نقصاً ورذيلة . وبعض الناس من
كبار الأسنان يستحي من دخول دار التعليم ، كأنه يصور نفسه بصورة القاصر وهذا خطأ ،
فإن العلم لا يناله مستح و لا متكبر ، وإنما يوفق له المتذللون المتواضعون ، وقد
تعلم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم العلم والكتابة مع كبر أسنانهم . ومتى
حضر وقت الصلاة وهم في دوام الدراسة وجب عليهم أن يبادروا بأداء هذه الفريضة ،
فإنها نعم العون على ما يزاولونه من العلم والتعلم ، ( واتقوا الله ويعلمكم الله )
(1) . فهذه
نصيحتي لكم ، والله خليفتي عليكم ، وأستودع الله دينكم وأمانتكم . _______________ (2)
282 – البقرة
. |