الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

غربة الإســـــــلام

وفساد الناس في آخر الزمان

 

     الحمد لله الذي وفق من أراد هدايته إلى الإسلام ، فانقادت للعمل منه الجوارح والأركان . فأقام الصلوات ، وأتى الزكاة ، وصام رمضان ، وحج بيت الله الحرام . وأشهد أن لا إله إلا الله . شهادة من قال ربي الله ثم استقام . وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سيد الأنام . اللهم صل على نبيك ورسولك محمد . وسلم تسليما كثيراً .

     أما بعد :  فإنه من المعلوم بمقتضى النصوص ، وبالواقع المحسوس ، أن الناس يزدادون إسرافاً في الرذائل وفي ترك الفرائض ، والفضائل عاماً بعد عام ــ وأن للدين إقبالا وإدباراً وقوة وضعفا.

     فمن إقبال الدين : تفقه القبيلة بأسرها ، وتتمسك بعزائم دينها ، حتى لا يكون فيها إلا الفاسق أو الفاسقان ، فهما مقهوران ذليلان . إن تكلما قمعا .

     وإن من إدبار الدين : أن تجفوا القبيلة بأسرها ، وتنحل عن عزائم دينها ، وتفسق عن أمر ربها ، حتى لا يكون فيها إلا الفقيه أو الفقيهان ، فهما مقهوران ذليلان .

     وإن صفوة الأمة : هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . الذين هم أبروا هذه الأمة قلوباً ، وأعمقها علماً . قوم اختارهم الله لصحبة نبيه . وإقامة دينه ، ثم التابعون لهم بإحسان .  الذين تلقوا العلم عنهم فهم من خير الناس بعدهم لما في الصحيحين : عن عمران بن حصين : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » خير القرون قرني ، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ، لا أدري أذكرهم مرتين أو ثلاثة ، ثم يجئ قوم يشهدون ولا يستشهدون  ويخونون ولا يؤتمنون ، ينذرون ولا يوفون ، ويظهر فيهم السمن  «  أي من أجل غرقهم في الترف وسائر الأكل المسمن للجسم . وفي رواية » تسبق شهادة أحدهم يميناً ويمينه شهادته  « . وهذا مما يدل على فساد الناس في آخر الزمان ، كما يشهد به الواقع المحسوس .

     ويدل له ما روى البخاري في صحيحه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :  » يذهبون الصالحون الأول فالأول . ثم تبقى حفالا وفي رواية حثالا كحثالة الشعير أو التمر لا يباليهم الله تعالى باله « (1) .

     ومن المعلوم أنه متى ذهب الصالحون المصلحون الآمرون بالمعروف و الناهون عن المنكر  فإنه يخلو الجو للفاسدين الفاسقين ، ، فيبيضون ويصفرون . ومن أشراط الساعة : هو : أن يذهب العلم ويفيض الجهل كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى عليه وسلم قال: » إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء . حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالا ، فسئلوا فأفتوا بغير علم
فضلوا وأضلوا
« (2) . ولهذا حث النبي صلى الله عليه وسلم على التمسك بسنته : أي بدينه عند فساد أمته .  وقال في حديث العرباض بن سارية : » إنه من يعيش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً . فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي .  تمسكوا بها . وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور .

________________________

(1)                 رواه البخاري عن مرداس الأسلمي . وأحمد في مسنده .

(2)                 رواه أحمد في مسنده ، والبخاري ومسلم ، والترمذي وابن ماجه عن ابن عمرو بن العاص .

 

 فإن كل محدثة بدعة . وكل بدعة ضلالة  « .  رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وابن حبان . وقال الترمذي حسن صحيح . ويدل له ما رواه ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال :
» المتمسك بسنتي عند فساد أمتي له أجر مائة شهيد  « . رواه البيقهي والطبراني.

     وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم بأيام الصبر » وقال إن من وراءكم أيام الصبر ، القابض فيهن على دينه كالقابض على الجمر  للعامل فيهن أجر خمسين منكم ، قالوا كيف يكون له أجر خمسين منا ؟ قال : » إنكم تجدون على الحق أعواناً وهم لا يجدون  « رواه الترمذي عن أبي ثعلبه الخشني .  إن أكثر الناس في هذا الزمان يتسمون بالإسلام وهم منه بعداء ، وينتحلون بأنهم من أهله وهم له أعداء ، يعادون بنيه ، ويقوضون مبانيه . لم يبق معهم منه سوى محض التسمي به ، والإنتساب إليه بدون عمل به ، ولا انقياد لحكمه . فترى أكثرهم لا يصلون الصلوات الخمس المفروضة ، لا يؤدون الزكاة الواجبة ، ولا يصومون رمضان ، ويستحلون الربا وشرب الخمر، فهم في جانب ، والإسلام الصحيح في جانب آخر ، فهؤلاء أكثر الناس والله يقول ( وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) (1) . وقد قيل : الركب كثير ، والحاج قليل .

 

    فما أكثر الناس بل ما أقلهم

 

وأيم الله إني لم أقل فندا

    إني لأفتح عيني حين أفتحها

 

على كثير ولكن لا أرى أحداً

 

     يقول بعض الناس : إن الدين إذا فسد العمل به صار آلة ضعف وانحطاط ونحن نقول : أنه متى فسد العمل بالدين فلا دين ، كما أنها متى فسدت الصلاة فلا صلاة . ومتى فسد الصيام فلا صيام ، لكون الدين عند الإطلاق ينصرف إلى الدين الصحيح .

________________________

(1)                 103- يوسف .

 

    إن الصنيعة لا تعد صنيعة

 

حتى يصاب بها طريق المصنع

        فمتى أفسد الناس الدين بترك أوامره ، وارتكاب نواهيه ، فقد خرجوا عن حده ، واستبدلوا ضده ، وكانوا بهذا الانقلاب جديرين بالضعف والانحطاط ، لأن ذنوب الجيش جند عليه ، ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) (1) .

     فكل ضعف حصل بالمسلمين فبسبب ما ضيعوا من تعاليم الدين حتى التنازع والاختلاف والقتال بين حكام المسلمين .  فكلها ذنوب تورث الضعف والذل وحلول الفشل .

     ولضعف الدين عوامل عديدة تساعد على ضعف الناس منها : قول عمر بن الخطاب
» أنه يفسد الإسلام ثلاثة أشياء :ـ الأئمة المضلون ، وزلة العالم ، وجدال المنافق بالقرآن   « . وروى مسلم عن ثوبان أن النبي صلى الله عليه سلم قال : إنما أخاف على أمتي . الأئمة المضلين.

     والخطر المخوف من زلة العالم ، هو الاغترار به فيها ، ومتابعة عليها . إذ لولا التقليد والاتباع ، لما خيف على الإسلام وأهله من زلته ، وكان ابن عباس يقول :  » ويل للأتباع من عثرات العالم « . وقد شبهوا زلته بغرق السفينة ، يغرق بغرقها الخلق الكثير . كما أن الأئمة المضلين : هم أمراء الناس الذين تنكبوا الطريق المستقيم ، واستبدلوا بها شريعة القوانين فتبعهم الناس على ضلالهم ، ووافقوهم على فسادهم ، واستبدادهم . والناس غالباً على طرائق ملوكهم في الخير والشر ــ ومتى فسد الراعي  فسدت الرعية .

     ومنها دنيا تقطع أعناق الناس ، حتى تجعلهم كالميتين عن مصالحهم الدينية

________________________

(1)                 11 – الرعد

 

وعن ما يوجب قوتهم واستقامتهم ، والاستعداد للجهاد في سبيل الله ، لأن شغفهم بلذاتهم المادية قد شغلهم عن الأمور الدينية ، فلأجل حبها صارت هي الجيش الغازي بلاد الإسلام في هذا العصر  وكأنها الكافلة لأعداء الإسلام بالفتح والنصر بغير جموع ولا جنود ، وبغير دفاع ولا امتناع ، طبق ما روى الإمام أحمد في مسنده ، وأبو داود في سنته ، عن ثوبان : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعت الآكلة على قصعتها « .  قالوا أمن قلة يومئذ ؟ قال لا ولكنكم غثاء كغثاء السيل  ينزع الله مهابة عدوكم منكم ، ويسكنكم مهابتهم ، ويلقي الله في قلوبكم الوهن . قالوا وما الوهن يا رسول الله ؟ قال : حب الدنيا وكراهية الموت   «.  وكل ما كان أصلا فإنه يكون سبباً لدخول الضعف منه على العباد .

 

    وكل كسر فإن الدين يجبره
 

 

وما لكسر قناة الدين جبران

             فهذا الضعف الحاصل بالمسلمين ليس من الدين ، وإنما حصل بسبب ما ضيعوه من تعالم الدين .

     ثم  إن الضعف والغربة في الدين لا يلزم أن تدوم ، بل قد تقع ثم تزول ، إذ هي من وصف عارض ، كالأمراض الطبيعية ، وربما صحت الأبدان العلل .

    قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت 

 

ويبتلي الله بعض القوم بالنعم

 

     فقد يعود الإسلام إلى قوته ويفي من غربته ، كما اشتد ضعفه وغربته زمن وفاة النبي صلى الله عليه وسلم حتى ارتدت العرب منه ، ولم يبقى مسجد يصلى فيه إلا مسجد مكة ، ومسجد المدينة ، ومسجد عبد القيس بجواثي أي الإحساء ولهذا يقول الشاعر :

 

    والمسجد الثالث الشرقي كان لنا 

 

والمنبران وفصل القول والخطب

أيام لا منبر للناس نعرفه

 

إلا بطيبة والمحجوج ذي الحجب

    

     وعلى إثر هذا الضعف ، وهذه الغربة ـ جاهد الصحابة في الله حق جهاده حتى استعادوا قوة الدين ونشاطه .

     فقول النبي صلى الله عليه وسلم » بدا الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ ، فطوبى للغرباء  رواه مسلم من حديث أبي هريرة ، ورواه الأمام أحمد ، وابن ماجة ، من حديث ابن مسعود. وفيه قالوا يا رسول الله من الغرباء ؟ قال : » النزاع من القبائل « . وفي رواية قال » الذين يصلحون إذا فسد الناس  « .  وفي رواية قال : » هم الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي  « .

     وقد اتخذ الناس هذا الحديث بمثابة التخدير للهمم ، والتخذيل للأمم ، بحيث يتخذونه بمثابة العذر لهم عن القيام بما أوجب الله عليهم من الجهاد في سبيله ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والنصيحة لله ، ولأئمة المسلمين ، وعامتهم ، حتى كأن الرسول بزعمهم قصد بهذا الحديث الاستسلام لهذا الضعف المفاجئ للمسلمين ، ولهذه الغربة في الدين وأن هذه الغربة تقع في مكان دون مكان .  وفي زمان دون زمان . فمثل الرسول صلى الله عليه وسلم في الأخبار بها كمثل خريت الأسفار ، بخبر قومه بمفاوز الأخطار ، ومواضع الأخطار ، ليتأهبوا بالحزم ، وفعل أولي العزم من وسائل التعويق ، ويحترسوا بالدفاع لقطاع الطريق ، كما في صحيح مسلم من حديث ابن عمر قال : » كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر . فنزلنا منزلاً . فمنا من  يصلح خباءه ، ومنا من يصلح جشره ، ومنا من ينتضل . إذ نادى منادي رسول الله : الصلاة جامعة ، قال : فاجتمعنا ، فقال النبي صلى عليه وسلم : » إنه ما من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم ، وينذرهم عن شر ما يعلمه لهم ، وأن هذه الأمة جعل عافيتها في أولها . وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها . تجيء الفتن يرقق بعضها بعضاً  « يعني الآخرة شر من الأولى .

     فالعاقل لا يستوحش طرق الهدى من قلة السالكين ، ولا يغتر بكثرة الهالكين التاركين للدين . فإن الله يقول : ( وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) (1) . وقد ثبت في الصحيح  » أنها لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة « (2) . وأن الله سبحانه لا يزال يغرس لهذا الدين غرساً يستعملهم في طاعته . ينفون عن الدين تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين (3) . وأن الله يبعث لهذه الأمة في رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها (4) .

      ومنها ما روى الترمذي عن أنس قال : قال رسول الله صلى عليه وسلم  » مثل أمتي مثل المطر لا يدري أوله خير أم آخره  « (5) .

________________________

(1)                 103 – يوسف .

(2)                 رواه البخاري ومسلم من حديث والمغيرة بن شعبة وأخرجه مسلم من حديث ثوبان وجابر بن سمرة وجابر بن عبد الله .

(3)                 رواه أبو داود من حديث أبو هريرة والحاكم في المستدرك .

(4)                 رواه ابو حاتم من حديث الخولاني .

(5)           رواه الترمذي عن انس قال رسول الله مثل أمتي مثل المطر لا يدري أوله خير أم آخره قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ، هو حسن له طرق قد يرتقي بها إلى الصحة قال وصححه ابن حبان من حديث عمار .

 

     فكل هذه الآثار تدل دلالة واضحة على تقلب الأحوال . وان الدين محفوظ عن الزوال .
لا يزال باقياً دائماً حتى تقوم الساعة ، فمن ظن أن الله يديل الباطل على الحق ادالة مستمرة فقد ظن بالله السوء . ولكن المصارعة لا تزال قائمة بين الحق والباطل ، والعاقبة للمتقين .

 

    والدين منصور وممتحن فلا
 

 

تعجب فهاذي سنة الرحمن

     ( ذلك ولو يشاء الله لا نتصر منهم ولكن ليبلوكم بعضكم ببعض ) (1) .  ( لنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم ) (2) .

      سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين ، والحمد لله رب العالمين .

________________________

(1)                 من الآية 4 محمد .

(2)                 الآية 31 محمد .