الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

القوانيــــــــــــــــــــــــن

وسوء عواقبها على الدين

 

     الحمد لله الذي وفق من أراد هدايته إلى الإسلام ، فانقادت للعمل منه الجوارح والأركان ، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة من قال ربي الله ثم استقام ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سيد الأنام ، اللهم صل على عبدك ورسولك محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً .

     أما بعد : فأعلموا رحمكم الله ، أن أنعم الله على العباد كثيرة وأجلها وأعظمها الهداية إلى الإسلام ، وتحكيم شريعته وحدوده ، وحقوقه بين سائر الأنام ، فقد أفلح من هدي إلى الإسلام .

     إن الله سبحانه أنزل كتابه الحكيم ، وبعث نبيه محمداً الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين ، وحجة على الخلق أجمعين (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب) (1) . فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بشريعة سمحة سهلة ، مهيمنة على جميع الشرائع قبلها ، فيه خاتمة الشرائع قبلها ، كما  أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم هو خاتم النبيين ، ورسول الله إلى الخلق أجمعين ، وقد جاء  بدين كامل ، وشرع شامل ، صالح لكل زمان ومكان ، قد نظم حياة الناس أحسن نظام  بالحكمة والمصلحة والعدل والإصلاح والإحسان ، فلو أن الناس آمنوا بتعاليمه ، وانقادوا لحكمه وتنظيمه ،

________________________

(1)                 13 – الشورى .

 

و قد وقفوا عند حدوده ومراسيمه ، لصاروا به سعداء لأنه ( يهدي للتي هي أقوم ) (1) . وقد سماه الله شفاء لعلاج أسقام العقائد ، وإزالة الشبه والشكوك ، وسوء الطرائق ( قل هو للذين أمنوا هدى وشفاءً والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر هو عليهم عمى ) (2) .

ففي نظام شريعة الإسلام حل مشاكل سائر الناس ، وكل ما يتنازعون فيه . لأن الله سبحانه
قد نصب الشريعة لعباده في الدنيا بمثابة الحكم العدل تقطع عن الناس النزاع ، وتعيد خلافهم إلى مواقع الإجماع . يقول الله ( فإن تنازعتم في شيء ، فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر )
(3) . واتفق العلماء على أن الرد إلى الله ، وهو الرد إلى كتابه ، والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هو الرد إلى سنته ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يقول لهم الخيرة من أمرهم ) (4) . (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون) (5) .

ففي شريعة الإسلام حل جميع ما يحتاج إليه الناس ( ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) (6) .

________________________

(1)                 9 – الإسراء .

(2)                 44 – فصلت .

(3)                 59 – النساء .

(4)                 36 – الأحزاب .

(5)                 51 – النور .

(6)                 83 – النساء .

 

     ففي الشريعة أحكام البيع والشراء ، والأخذ والعطاء ، والوقف والوصاية ، وقسمة التركات. ومنها العهد والأمان ، والحرب والسلم ، والنكاح والطلاق ، والقصاص وأحكام الجروح والشجاج . وفيها تحريم الربا ، والزنا ، وشرب الخمر ، وإقامة الحدود التي هي من أسباب تقليل فشو الجرائم . وفي الشريعة الحث على مكسب المال من حله ، ثم الجود بواجب حقه ، من أداء زكاته والصدقة منه .

     وفيه بيان فضل حفظه بنمائه ، وتحريم تبذيره ، وفضل التجارة المباحة .

     وبالجملة فإن الشريعة الإسلامية كفيلة بحل مشاكل العالم ، بحيث يسود العاملين بها سربال الأمن والإيمان ، والسعادة والاطمئنان ، وهذا هو حقيقة ما وصى به النبي صلى الله وعليه وسلم أمته ، حيث قال : » تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي  ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض « (1) .

     وقال : » إنه ما نقض قوم عهد الله وعهد رسوله ، إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم ، فأخذوا بعض ما في أيديهم  وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ، إلا جعل الله بأسهم بينهم شديداً  « (2) وهذا أمر واضح يشهد به المحسوس .

     هذا : وإن لسلطان الدين ، السيطرة الفعالة على قلوب الناس ، وخاصة المؤمنين ، بحيث يزعهم إلى الفرائض والفضائل ، ويردعهم عن

________________________

(1)                 رواه الحاكم عن أبي هريرة : قال : خطب المصطفى " صلى الله عليه وسلم " الناس في حجة الوداع فذكره .

(2)                 بعضه من حديث بريده عن ابن عمر ..

 

منكرات الأخلاق والرذائل  فهم يخضعون لسلطان شريعة الدين ، سامعين مطيعين ، فمتى قيل للخصم اللجوج ، هذا حكم الله . وقف علي حده . وقنع بحقه و عرف حينئذ أنه لا مجال للجدل بعد حكم الله . فلا يجادلون فيه بعد وضوح صبحه ، وبراهين صحته ، فالمحكمة الشريعة المبنية على أساس العلم والعدل ، والسياسة الحكيمة ، هي أكبر معين للحاكم وللرئيس ، على سيادة رعيته  وسياسة مملكته ، لكون حكم الشرع يوقف الخصم اللدود على حده ، ويقنعه بحقه ، وإنما سمّى ديناً ، من أجل أن الناس يدينون به ، أي يخضعون لحكمه ، كما سميت شريعة ، لكون الناس يشرعونها ، ويشربون منها ، ثم ينصرفون راضين بها ، ولأنها مقتبسة من شرع الله ورسوله ، ولهذا نرى البلدان التي يحكم فيها بشريعة الإسلام ، والتي تقام فيها الحدود ، ويستوفى فيها الحقوق بحدها آخذة بنصيب وافر من الإيمان ، والسعادة والاطمئنان ، آمنة من    والافتنان ، والضد يظهر حسنه الضد ، وإنما تتبين الأشياء بأضرها ، بخلاف البلدان التي تحكم بالقوانين التي هي شريعة الكافرين نرى فيها من أسوء الناس حالا ، وأشدهم اضطرابا وزلزالا  قد ابتلوا بفنون من الفتن والاضطراب ، وعدم أمن الجناب ، إلى حالة كثرة القتل والنهب ، وحرق الحوانيت المملوءة بالأموال ، واختطاف النساء والغلمان ، وهذه الأعمال تزداد عاماً بعد عام ، كلها نتيجة ، أو عقوبة عزل شريعة الدين  والرضا بحكم القوانين ، التي هي آراء شرعها قوم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر  لا يحرمون ما حرم الله ورسوله ، ولا يدينون دين الحق ، وهي مبنية على عزل الدين عن الدولة ، تبيح للناس ما حرم الله عليهم من الربا ، والزنا ، وشرب الخمر ، أي أنها لا تعاقب على هذه الأعمال ، وتحكم بصحة ما يترتب عليها  من المال الربوي والمكتسب من القمار ، لكون الرضا بهذه الأعمال المحرمة ، هي شريعة المتعاقدين ، حتى ولو خالفت شرع الله ورسوله ، يقول الله ( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ) (1) ترفع سلطان الولي عن موليته ، وتبيح لها أن تتصرف بنفسها كيف شاءت ، غير محجوز عليه في أمره ولا رأيه .

     والشريعة الإسلامية مبنية على حماية الدين والأنفس ، والأموال والعقول والأعراض ، فهي تهذب الأخلاق  وتطهر الأعراق ، وتزيل الكفر والشقاق ، والنفاق وسوء الأخلاق . وقد قال رجل من حكماء النصارى إسمه هربرت سبنسر قال : » إن آداب الأمم وفضائلها التي هي قوام مدنيتها مستمدة كلها من الدين ، وقائمة على أساسه ، وإن بعض العلماء يحاولون تحويلها عن أساس الدين ، وجعلها على أساس العلم والعقل ، وإن الأمة التي يجري فيها هذا التحويل لا بد أن تقع في فوضى أدبية لا يعرف عاقبتها ولا يحد ضررها  « إنتهى .

ومن عادة محاكم القوانين تمديد الخصومة بالنقض والإبرام ، للحصول على ما يترتب عليها من المدعي ، والمدعى عليه ، فمن أجل كثرة الترديد والتلديد يحدث بين الناس القلق والاضطراب ــ

     وليعتبر المعتبر بالبلدان التي أغلقت فيها محاكم شريعة الدين ، وفتحت فيها محاكم القوانين  كيف حال أهلها ، وما دخل عليهم من النقص ، والجهل ، والكفر ، وفساد الأخلاق ، والعقائد والأعمال ، حتى صار بمثابة البهائم يتهارجون في الطرقات ، لا يعرفون صياماً ولا صلاة ، ولا يعرفون معروفاً ، ولا ينكرون منكراً ، ولا يمتنعون من قبيح ، ولا يهتدون إلى حق ، لهذا صار المحبون لها هم أشد الناس سخطاً عليها

________________________

(1)                 21 – الشورى .

 

وبغضاً لها ، لأنهم ذاقوا مرارتها ، وعرفوا مضرتها ، ولن تجد شخصاً مسلماً يحبها ، أو يرضى بها إلا أن يكون مجبوراً عليها ، أو أن له غرضاً بإضرار خصمه .

     لقد مكث المسلمون ثلاثة عشر قرناً يتحاكمون إلى الشريعة الإسلامية ، ويعتزون بها ، وحكام المسلمين وسلاطينهم يسمون أنفسهم عبيد الشرع ، كما قال صلاح الدين الأيوبي لرجل شكا إليه : لقد نصبت قضاة الشرع ليحكموا لك ، أو عليك ، وما أنا إلا عبد للشريعة أنفذ حكمها.

     وقد فتحت محاكم القوانين في البلدان الإسلامية والعربية رغماً على أهلها ، وذلك أن النصارى لما كانت لهم السلطة والسيطرة على بلدان المسلمين العربية ، وكانوا يحبون كون الناس على دينهم ، ففتحوا محاكم القوانين بالرغم من المسلمين .  ( أ فحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون ) (1) .

     وعلى أثر فتح محاكم القوانين في بلدان المسلمين ، واستمرار التحاكم إليها ، قد وقع بالناس ما حذرهم منه نبيهم صلى الله عليه وسلم : حيث قال : » وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ، إلا جعل الله بأسهم بينهم شديداً « (12) ـ وصدق الله ورسوله ، وهذا الحديث بمثابة الصبح الساطع ، والبرهان القاطع ، وخير الناس من وعظ بغيره ، فقد رأينا الذين إستبدلوا القوانين الوضعية بدلا عن المحاكم الشرعية ، رأيناهم من أسوء الناس حالاً وأبينهم ضلالاً ، وأشدهم اضطراباً وزلزالا وصاروا جديرين بزوال النعم ، والإلزام بالنقم ، لأن دين الإسلام منجاة عن الغرق في الفوضى والشقاق ، وبمثابة سفينة نوح ، من لجأ إليه نجا ، ومن تخلف عنها غرق . 

     وقد عرف بالتجربة أن القوانين الوضعية منصوبة لسلب أموال الناس ،

________________________

(1)                 50 – المائدة .

(2)                 رواه البيقهي من حديث بريده عن ابن عمر " وما عطلوا كتاب الله .. "

 

وإماتة حقوقهم ، وحدودهم ، فهم معها دائماً بين إبرام ونقض ، وحكم وإستئناف ، والله يقول
( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون )
(1) .

     إن أعداء الإسلام قد شوهوا سمعة الإسلام ، وألبسوه أثواباً من الزور والبهتان ، والتدليس والكتمان ، فوصفوه بالقدم ، وكونه لا يتلاءم الحكم به مع القرن العشرين ، وأن شرائعه تكاليف شاقة ، وأنه ينبغي عزل الدين عن الدولة ، ونحو ذلك ، مما يقولون ويأفكون ، ( كبرت كملمة تخرج من أفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ) (3) .

 

    صديقك لا يثني عليك بطائل 

 

فماذا ترى فيك العدو يقول

 

     إن أكبر ما ينقم أعداء الإسلام على الإسلام ، كونه يحكم بالقصاص بقتل القاتل ، وقطع يد السارق ، وجلد شارب الخمر ، وينسبون هذه الحدود الوحشية ، وهي شكاة  قد ذهب عنا عارها ما هي إلا بمثابة التجريح والتقطيع لبعض أجزاء الجسم في سبيل إصلاح بقيته ، لكون المضار الفردية تغتفر في ضمن المصالح العمومية ، وإقامة هذه الحدود ، هي الدواء الوحيد في تقليل الجرائم التي تغص بها السجون ، فهي تغني عن الكثير من الحرس والجنود ــ ( ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) (4) لكن هؤلاء نسوا ما صنعوا من القنبلة

     ________________________

(1)                 44 – المائدة .

(2)                 5 – الكهف .

(3)                 8 – الصف .

(4)                 2 – النور .

 

الذرية التي تقضي بفناء الملايين من الآدميين ، ما بين شيوخ ، ونساء ، وحوامل ، وبهائم ، وتفسد الحرث والنسل ، فهذه والله هي الأخلاق الوحشية ، لا الحدود الدينية .

     لقد مكث المسلمون ثلاثة عشر قرناً ودستورهم السنة والقرآن التي هي سفر السعادة  وقانون العدالة . قد فتحوا المحاكم الشرعية في سائر مشارق الأرض ومغاربها ، يتحاكم جميع الناس من المسلمين والكفار إليها ، لأن شريعة الإسلام كافلة لجميع مشاكل العالم ، وما وقع في هذا الزمان وما سيقع بعد أزمان . فلا تقع مشكلة ذات أهمية إلا وفي الشريعة الإسلامية طريق حلها ، وبيان الهدى من الضلال فيها ، كما أنه لا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما يدحضها ، ويبين بطلانها ، لكنه  لما ضعف الإسلام في هذا الزمان ، وضعف عمل الناس به ، وساء اعتقادهم فيه صار فيهم منافقون يدعوه إلى نبذه ، وإلى عدم التقيد بحدوده وحكمه ، ويدعون إلى تحكيم القوانين بدله . ( ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) (1) .

     وفات على هؤلاء أن أساطين حكام المسلمين من الصحابة والتابعين ، وكذلك ملوك بني أمية ، وبني العباس ، ونور الدين ، وصلاح الدين ، وغيرهم من ملوك المسلمين الفاتحين ،  إنما شاع لهم الذكر الجميل ، والثناء الحسن ، والتمكين في الأرض ، وإتساع الفتوح ، كله من أجل تمسكهم بالدين ، وتحكيم شرائعه بين الناس أجمعين ، وصدق عليهم قوله تعالى ( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ) (2).

________________________

(1)                 41 – المائدة .

(2)                 41 – الحج .

 

     وإنه من الجائز شرعاً  والواقع عرفاً ، إبدال قاض بقاض أحسن منه ، أما إبدال شرع الله الحكيم بشريعة القوانين ، فإنه حرام بإجماع علماء المسلمين . وأن حكام المسلمين ، والزعماء العاقلين ، في هذا الزمان لما عرفوا مضار القوانين ، وكونها تبعدهم عن الدين ، وتوقعهم في الفتن والاضطراب ، وفي الفوضى والشقاق ، وفساد الأخلاق ، وكونها فرقت شملهم ، وفلت حدهم ، وأفسدت مجتمعهم ، لهذا أخذوا يتداعون إلى الرجوع إلى أخلاق دينهم ، وتحكيم شريعة الإسلام فيما بينهم ، يتداعون بهذه عند مناسبة اجتماعهم ، وتبادل آرائهم في علاج عللهم ، فيما يصلح مجتمعهم ، وسيكون لهذا التداعي تجاوب ولو بعد حين ، ( فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين ) (1) ــ ولن أنسى في هذا المقام ، مقالة ذلك الإمام ــ أي مالك بن أنس عليه الرحمة والرضوان حيث قال :

» والله لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها  « .

     فهذه نصيحتي لكم ، والله خليفتي عليكم ( وستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد ) (2) .

     فأفيقوا من رقدتكم ، وتوبوا من زللكم وتمسكوا بدينكم ، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين.

________________________

(1)                 89 – الأنعام .

(2)                 44 – غافر .