الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

دعــــــــــــــــــــــــــوة

النصارى وسائر الأمم إلى دين الإســـلام

 

     الحمد لله . والصلاة والسلام على سائر أنبيائه ، ومن آمن بهم واتبع هديهم . ولم يفرق بين أحد منهم ، وأشهد أن لا إله إلا الله . وأشهد أن محمداً نبيه ورسوله .

     أما بعد :

     فيا أيها المسلمون وأيها المستمعون :  إن الله سبحانه لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم .  وان الله سبحانه يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ، ولا يعطي دين الإسلام إلا من يحب ، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه .      

     وإن الدين هو هذا السمح السهل الإكتناه والعمل ، ليس بشاق ولا حرج .  عموده الصلاة ، وبقية أركانه الزكاة والصيام ، حج بيت الله الحرام مرة واحدة عند الاستطاعة . وقد جعل الله هذه الأركان بمثابة البنيان للإسلام ، وبمثابة الفرقان ، بين المسلمين والكفار ، والمتقين والفجار وبمثابة محك التمحيص لصحة الإسلام . بها يعرف صادق الإسلام من بين أهل الكفر والفسوق والعصيان .

     لكون الإسلام ليس هو محض التسمي باللسان ، والانتساب إليه بالعنوان . ولكنه ما وقر في القلب وصدقته الأعمال . فاعملوا بإسلامكم

________________________

(*)   هذه الكلمة ألقاها المؤلف في المركز الإسلامي في لندن حين صلى بالناس صلاة عيد الأضحى في سفره للعلاج سنة 1394هـ ، وقد نشرتها إذاعة لند في البلاد العربية .

 

تعرفوا به ، وادعوا الناس إليه تكونوا من خير أهله فإنه لا إسلام بدون العمل .

     إن دين الإسلام : هو دين الحق الذي ارتضاه الله لجميع الخلق .  فقال سبحانه: ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ) (1) ، وقال : ( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) (2) .  ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) (3) .  فيفرح بذكره ، ويندفع إلى القيام بفروضه . ونوافله ، طيبة بذلك نفسه ، منشرحاً به صدره . ( أ فمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ) (4) .

     الإسلام يهذب الأخلاق ، ويطهر الأعراق ، ويزيل الكفر والشقاق والنفاق .  يأمر بالمحافظة على الفرائض والفضائل ، وينهي عن منكرات الأخلاق والرذائل .

     الإسلام دين السلام والأمان ، يحب السلم ويكره الحرب ، إلا في حالة الاضطرار .  وقد سماه الله سلماً ، فقال تعالى :  (  يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ) (5) أي في الإسلام .

     الإسلام دين العزة والقوة والنظام ، المطهر للعقول من خرافات البدع والشرك والضلال والأوهام .

________________________

(1)                 3 – المائدة .

(2)                 85 – آل عمران .

(3)                 125 – الأنعام .

(4)                 22 – الزمر .

(5)                 208 – البقرة .

 

     الإسلام دين العدل والمساواة في الحدود والحقوق والأحكام ، لا فضل لعربي على عجمي ولا لأسود على أحمر إلا بالطاعة والإيمان .

     الإسلام يحترم الدماء والأموال ، و يقول  » إن دماءكم وأموالكم حرم عليكم« (1) ويقول:
 » لا يحل مال أمرئ إلا عن طيب نفس منه  « (2) . أي بموجب الرضا التام . وفي محكم القرآن ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام ) (3) .

     الإسلام دين السعادة والسيادة ، ومن قام به ساد ، وسعدت به البلاد والعباد . ومن ضيعه سقط في الذل والفساد ، ( ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء ) (4) .

     الإسلام شريعة الله في أرضه ، شرعه لعباده لمصالحهم الدينية والدنيوية . فقد نظم حياة الناس أحسن نظام .  ولو لا الإسلام وما فيه من الشرائع والأحكام ، وأمور الحلال والحرام ، لكان الناس بمثابة البهائم يتهارجون في الطرقات ، لا يعرفون صياماً ولا صلاة ، ولا يعرفون معروفاً و لا ينكرون منكراً ، و لا يمتنعون من قبيح ، ولا يهتدون إلى حق .

     الإسلام كافل لحل مشاكل العالم ما وقع في هذا الزمان  ، وما سيقع بعد أزمان .  صالح لكل زمان ومكان ، قد نظم حياة الناس أحسن نظام ، بالحكمة والمصلحة ، والعدل والإحسان . والإتقان . فلو أن الناس آمنوا بتعالميه ، وانقادوا لحكمه وتنظيمه ، ووقفوا عند حدوده ومراسيمه،

________________________

(1)                 رواه مسلم عن جابر بن عبد الله ومن رواية ابن هشام ( إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام ) .

(2)                 وفي رواية ابن هشام " لا يحل لمسلم من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نقسه منه " .

(3)                 188 – البقرة .

(4)                 18 – الحج .

 

لصاروا به سعداء ، ولما حصل بينهم بغي و لا طغيان و لا اعتداء ، لأنه ( يهدي للتي هي
أقوم )
(1) .

     إننا في دعوتنا إلى دين الإسلام ، لسنا ندعو إلى قومية عربية ، و لا إلى أحزاب شعبية ، ولا إلى مذاهب فقهية ، وإنما ندعو إلى دين الحق ، دين الله الذي ارتضاه لجميع الخلق ، دين عيسى وموسى وسائر الأنبياء ، وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم . يقول الله سبحانه : ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه . الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب) (2) .

     فأمر الله سبحانه بإقامة الدين والاجتماع على كلمته ، ونهى عن التفرق فيه ، بأن يؤمنوا ببعض الأنبياء ويكفروا ببعض ، أو يؤمنوا ببعض الكتب ويكفروا ببعضها ( ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً ) (3) .

     وقد أمر الله عباده المؤمنين بأن يقولوا ( آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي والنبيون من ربهم
لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون )
(4) .

     إنه من يكذب نبياً من الأنبياء فإنه يعتبر مكذباً لسائر الأنبياء ، وكافراً بالله عز وجل . فالذين يكذبون بنبوة المسيح عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام ، أو يكذبون بمعجزاته التي أثبتها القرآن ، فإنهم يعتبرون مكذبين 

________________________

(1)                 9 – الإسراء .

(2)                 13 – الشورى .

(3)                 50 – النساء .

(4)                 136 – البقرة .

 

لسائر الأنبياء . وكافرين بالله عز وجل . ومثلهم كالذين يكذبون بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام  أو يكذبون بالقرآن النازل عليه من الله ، أو يزعمون بأنه شيء فاض على نفس محمد بدون أن يوحي به الله إليه ، أو ينزل به جبريل عليه ــ عليه السلام .

     فإنهم يعتبرون بأنهم مكذبون بنبوة عيسى بن مريم ، ونبوة موسى و سائر الأنبياء ، لأن من كذب نبياً واحداً كذب سائر الأنبياء . ولأن التكذيب بمحمد أو التكذيب بالقرآن النازل عليه يستلزم التكذيب بالمسيح عيسى بن مريم عليه السلام ، والتكذيب بمعجزاته التي أثبتها القرآن الحكيم . وإنني أعجب أشد العجب من عقلاء النصارى المستقلة أفكارهم ، والذين برعوا في الذكاء الفطنة وعرفوا اللغة العربية . وقد كثر في هذه الأزمنة اختلاطهم بالعرب المسلمين ، وتعلموا لغة العرب التي يتمكنون بها من معرفة أحكام الإسلام ، وبلاغة القرآن ، وشمول نفعه ومحاسن أحكامه وحكمته ، وعموم دعوته ، وكونه رسالة رحمة وهداية من الله لجميع خلقه ، وانه المعجزة الخالدة لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، والمصدق لسائر الأنبياء قبله . ومع هذا كله نراهم يصرون ويستكبرون على التكذيب بمحمد عليه الصلاة والسلام . وعلى التكذيب بالقرآن النازل عليه ، تقليداً منهم للمكذبين من القسيسين والمبشرين . والله يقول : ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ) (1) .  وقال : ( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) (2) نظير قوله : ( ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام ) (3) .

     على أن الكثيرين من عقلائهم يعترفون بدين الإسلام ، ويصدقون

________________________

(1)                 114 -  آل عمران .

(2)                 40 – الأحزاب .

(3)                 75 – المائدة .

 

بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، و إن ما جاء به هو دين الحق الذي لا سعادة للبشر إلا باعتناقه واعتقاده .  وأخذ بعضهم ينادي بعضاً بالرجوع إليه واتباع أحكامه .  وسيكون لهذا التداعي تجاوب ولو بعد حين ( فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين ) (1) .

     يا معشر النصارى لقد تعصبتم وما أنصفتم .  وان موضع العجب منكم هو أن القرآن النازل على محمد عليه الصلاة والسلام كله نضال وجهاد وجدال عن نبوة عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام ، يحقق صدق نبوته وكرامة نشأته ، وطهارة مولده ، وبراءة أمه مريم البتول عليها السلام .

     وأن الله سبحانه خلقه بيد القدرة من أم بلا أب ، كما خلق آدم من تراب ثم قال له كن فيكون . وإن الله أيده بالمعجزات الباهرات ، الدالة على صدق رسالته  فكان يبرئ الأكمه والأبرص ، ويحيي الموتى بإذن الله وينبئ الناس بما يأكلون وما ويدخرون في بيوتهم ، مع تكليمه الناس في المهد وقوله : ( إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً ، وجعلني مباركاً أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً ، وبراً لوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً .  والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً . ذلك عيسى أبن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ) (2) .

     كل هذه المزايا من الصفات والمعجزات قد أثبتها القرآن ، ومن آمن بها المسلمون . ومن كذب بها فقد كفر .  و لا توجد هذه الصفات وهذه المعجزات بالإنجيل الذي بأيديكم . لأن الله ذكرها في كتابه المبين ( إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون ) (3) .

     ________________________

(1)                 89 – الأنعام .

(2)                 30 – 34 – مريم .

(3)                 76 – النمل .

 

     على أن الإنجيل الذي بأيدي النصارى الآن ليس هو الإنجيل النازل على المسيح عيسى بن مريم عليه السلام ، وإنما هو مبدل منه ، وفيه التحريف الكثير ، والكذب على الله وعلى الأنبياء.  كما يعترف العقلاء من علمائهم بذلك يقول الله : ( فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون ) (1) .

     لأن النصارى يجيزون للقسيسين بأن يغيروا من شريعة الرب ما يشاءون ويشتهون ، فيجعلون الحرام حلالا لأنهم اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أرباباً من دون الله ، فجعلوا المسيح هو الله ، وجعلوه ثالث ثلاثة .  والقرآن والإنجيل بريئان من ذلك . ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم وقال المسيح يا بين إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار ) (2) .

      ( يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم و لا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسوله و لا تقولوا ثلاثة انتهوا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد ) (3) .

     وهذا القرآن النازل  على محمد عليه الصلاة والسلام . هو معجزة الدهور ، وآية العصور ، محفوظ في المصاحف وفي الصدور ، منذ نزل إلى يوم القيامة .  لا يستطيع أحد أن يقحم فيه حرفاً أو يحذف منه حرفاً ، لأن سبحانه تولى حفظه فقال تعالى : ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) (4) .

________________________

(1)                 79 – البقرة .

(2)                 72 – المائدة .

(3)                 171 – النساء .

(4)                 9 – الحجر .

 

     والقرآن هو أساس دين الإسلام ، مع سنة محمد عليه الصلاة والسلام .  ولولا هذا القرآن لكذب الناس بنوة عيسى بن مريم وبمعجزاته ، كما كذب بها اليهود وغيرهم ، ورموا أمه بالمفتريات والعظائم ، طهرها الله وأعلى قدرها عما يقولون علواً كبيراً . أ فيجازي محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جاهد أشد الجهاد في الدفاع والنضال عن عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام ، بأن تقابلوه بتكذيبه ؟  والتكذيب بالقرآن النازل عليه والذي هو المعجزة العظمي له ؟ وقد تحدى الله جميع الخلق وأنتم منهم على أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا .  يقول الله سبحانه :  ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً ) (1) أي معيناً .

     مع العلم أنه كان لا يكتب ولا يقرأ المكتوب ، وليس في بلده ولا زمنه مدارس و لا كتب ، يقول الله : ( وما كنت تتلو من قبله من كتاب و لا تخطه يمينك إذا لارتاب المبطلون . بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون ) (3) .  فعلم منه أن هذا القرآن وحي من الله أوحاه إليه بعد أن بلغ الأربعين من عمره .  لا يقال أن هذا القرآن شيء فاض على نفسه بدون أن يوحي الله به إليه ، و بدون أن ينزل به جبريل عليه ، فإن القول بهذا حقيقة في التكذيب به . ومن قال به كفر وأصلاه الله سقر .

     إن الله سبحانه ختم الرسل بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ،

________________________

(1)                 88 – الإسراء .

(2)                 48 – 49 – العنكبوت .

 

     يقول الله : ( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) (1) . كما ختم الشرائع بشريعته الشاملة الكاملة ، فلا يجوز لأحد أن يتعبد بغير شريعته .  لأن الله سبحانه أرسله إلى كافة الناس بشيراً ونذيراً ، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً .  فكما أنه رسول للمسلمين فإنه رسول للمسيحيين واليهود ، ولسائر الأمم في مشارق الأرض ومغاربها .  فهو رحمة الله المهداة لجميع خلقه يقول الله : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) (2) .  وقال سبحانه ( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ) (3) .

     وأنزل الله عليه : ( قل يا أيها الذين إني رسول الله إليكم جميعاً ) (4) . وقد أثنى الله سبحانه على الذين يبتغون الرسول النبي الأمي الذي يجدنه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل ، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ، ويحل لهم الطبيات ، ويحرم عليهم الخبائث ، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم .  فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون . وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :   » إن كل نبي يبعث إلى قومه خاصة ، وبعثت إلى الناس كافة  « . فهو رحمة من الله مهداة لجميع الناس يقول الله : (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ) (5) .

     فلو كان موسى أو عيسى موجودين بالأرض لما وسعهما إلا اتباع محمد والعمل بشريعته . ولما رأي النبي صلى الله عليه وسلم مع عمر قطعة من التوراة قال له يا عمر :  » لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك . و لو كان أخي موسى حياً ما وسعه إلا إتباعي   « (6).

________________________

(1)                 40 – الأحزاب .

(2)                 107 – الأنبياء .

(3)                 28 – سبأ.

(4)                 158 – الأعراف .

(5)                 28 – سبأ .

(6)                 بعضه في رواية " الحافظ أبو يعلى " عن حماد عن الشعبي عن جابر .

 

     إن أكبر صارف يصرف علماء النصارى وعامتهم عن اعتناق دين الإسلام واعتقاده ، وعن التصديق بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، وبالقرآن النازل عليه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ــ هو تأثرهم بتنفير القسيسين والمبشرين عن الإسلام ، وكثرة كذبهم وافترائهم على رسول الله عليه الصلاة والسلام ، بقولهم بأنه رجل عاقل ، وأنه عبقري ، وأن هذا القرآن هي شيء فاض على نفسه بدون أن يوحي به الله إليه ، أو ينزل به جبريل عليه ، تعالى الله عن قولهم وإفكهم علوً كبيراً .

     فهم يتلقون هذا الكذب من القسيسين والمبشرين مما جعلهم يتأثرون به ، ويتربون في حالة صغرهم على اعتقاده . فهذا التأثر والتأثير قد أشربت به قلوبهم حتى صار لهم طريقة وعقيدة، فهو أكبر صارف يصرفهم عن الإسلام ، وعن التصديق بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام .

     والأمر الثاني : هو أن تكذيب أذكيائهم ، والمفكرين منهم ، إنما نشأ عن عدم معرفتهم باللغة العربية ، التي هي لغة الإسلام ، والتي يعرف بها ببلاغة القرآن ، لكون القرآن نزل بلسان عربي مبين .

     فبلاغة القرآن بلغته ، ومعرفة أحكامه وحكمته ، وعموم هدايته ومنفعته، وذوق حلاوته ، كل هذا إنما يدرك عن طريق لغته كقوله سبحانه : ( تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون . بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون ) (1) .

________________________

(1)                 2 – 4 – فصلت .

 

     إن عدم معرفة الأمم للغة العربية التي هي لغة القرآن هو أكثف حجاب يحول بينهم وبين اعتناق الإسلام واعتقاده ، والتصديق بالرسول وبالقرآن النازل عليه .

     أما ترجمة القرآن الموجودة بأيدي النصارى الآن ، وقد ترجم عدة تراجم ، كلها ليست بالقرآن ، وتبعد جداً عن بلاغة القرآن ، وفيها الشيء الكثير من الخبط والخلط ، الخارج عن معاني القرآن ــ فلا تسمي قرآناً .

     وإنني أنصح عقلاء النصارى المستقلة أفكارهم ، بأن يوجهوا عنايتهم ورغبتهم إلى تعلم اللغة العربية ، فإن تعلمها يعد من الأمر الواجب علي كل أحد ، وخاصة من يرغب في الدخول إلى الإسلام ، وبها يعرف أحكام العبادات من الصلاة والزكاة والصيام ، ويتبين له بطريق الوضوح أن دين الإسلام هو الدين القويم ، ( يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم ) (1) .  لأنه دين سعادة وسيادة وسياسية ، صالح لكل زمان ومكان .  قد نظم حياة الناس أ؛سن نظام ، بالحكمة والمصلحة والعدل والإحسان والإتقان . فلو أن الناس آمنوا بتعاليم دين الإسلام ، وانقادوا لحكمه وتنظيمه ، ووقفوا عند حدوده ومراسيمه ، لصاروا به سعداء ، لأنه يهدي للتي هي أقوم .

     إن كثيراً من أذكياء النصارى قد تغيرت أفكارهم بعدما تعلموا اللغة العربية ، فظهر لهم فضل الإسلام وصدق القرآن ما خفي على سلفهم . لهذا أخذوا يدعون قومهم إلى الرجوع إلى الإسلام ، وإلى العمل بما شرعه من الأحكام ، لكونهم أصبحوا فوضى حيارى ليس لهم دين يعصمهم ، ولا شريعة تنظمهم ، وقد كثر الداخلون في الإسلام في هذا الزمان وأخذوا يزدادون في الدخول عاماً بعد عام .

     أن تعلم اللغة العربية أصبحت ضرورية من ضروريات النصارى

________________________

(1)                 30 – الأحقاف .

 

الإجتماعية . وفيها لهم مصلحة مفيدة فيما يتعلق بالكسب ووسائل الحياة ، لكثرة اختلاطهم بالعرب المسلمين في بلادهم ، وشدة حاجتهم إلى التخاطب معهم . كما أن العرب المسلمين لما احتاجوا إلى التعامل معهم فيما يتعلق بالتجارة والصناعة والطب أخذوا يعلمون  أولادهم لغتهم لداعي الضرورة والحاجة إلى ذلك . كما علم النبي صلى عليه وسلم زيد بن ثابت اللغة العبرانية لحاجته للتخاطب مع اليهود.

     ولقد انتشر الإسلام في بداية نشأته لانتشار اللغة العربية في البلدان الأجنبية ، فعرفوا بها حقيقة أحكام الإسلام ، وبلاغة القرآن ، وأنه دين الحق القويم ، الذي نظم حياة الناس أحسن تنظيم  وبذلك دخل الناس في دين الله أفواجاً أفواجاً ، طائعين مختارين . وسيكثر الداخلون فيه من شتى الأمم ولو بعد حين ، والعاقبة للمتقين .

     إن النجاشي ملك الحبشة وأحد ملوك النصارى القدماء لما كان عارفا باللغة العربية من أ<ل مجاورته لبلدان العرب ، فقرأ عليه جعفر بن أبي طالب صدر صورة مريم ، فجعلت عيناه تذرفان من البكاء خشوعا وخشية لله  لحسن ما سمعه من كلام الله .  فلما فرغ من قراءتها أخذ عوداً فرفعه ثم قال : إنه لم يزد على ما جاء به عيسى لا مثل هذا العود .  فأخذت بطارقته ينخرون استنكاراً واستكباراً لقوله .  فقال : وإن نخرتم وان نخرتم ، إذهبوا فأنتم سيوم بأرضي من رامكم بسوء غرم .  وأنزل الله في فضله وتصديقه قوله تعالي :  ( وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا من الشاهدين. وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين ) (1) .

________________________

(1)                 83 و 84 – المائدة .

 

     قرآنا يتلوه المسلمون في صلاتهم وخارج الصلاة ، يشيد بفضل النجاشي وسبقه إلى الإسلام  وإيمانه بالقرآن ، ونبوة محمد عليه الصلاة والسلام .

     وإن هذا التأثر والتأثير من النجاشي بسماع القرآن قد حمله على الدخول في الإسلام ، حتى صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعد موته .

     أن أعداء الإسلام قد شوهوا سمعة الإسلام ، وألبسوا أثواباً من الزور والبهتان ، ومن التدليس والكتمان ، حيث وصفوا الإسلام بأنه دين تكاليف شاقة وأغلال ، وبأنه دين حرب وقتال ، وإنه إنما انتشر بالسيف والإكراه ، وأن أهله يعرضون الشخص على السيف ، ويقولون له إما أن تسلم والإ قتلناك ، ونحو ذلك من الأقوال البعيدة عن مواقع الصدق في المقال ، وقصدوا بها صد الناس عن الدين .  فهم ينهون عنه وينأون عنه وأن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون .  ولا عجب فهم أعداؤه وقد تحاملوا عليه بالطعن فيه لصد الناس عنه ، وقد قيل :

    صديقك لا يثني عليك بطائل 

 

فماذا ترى فيك العدو يقول

 

     والحق أن الإسلام إنما انتشر بالقرآن ، وأنه فتح من البلدان أكثر مما فتح بالسيف والسنان ، وأن السيف بمثابة الناصر له في كف الأذى عنه والعدوان . وفي محكم القرآن ما يدل على منع الإكراه في الدين ، يقول الله :  ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) (1) ، وقال : ( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً فأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) (2) .

________________________

(1)                 256 – البقرة .

(2)                 99 – يونس .

     وقال ( فذكر إنما أنت مذكر . لست عليهم بمصيطر )  (1) . أي لست بمسلط على إدخال الهداية في قلوبهم إن عليك إلا البلاغ . وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم طريقة للبلدان بفتحه لمكة عنوة .  ولما فتحها قال لأهلها :  ( إذهبوا فأنتم الطلقاء ) (2) .  وسموا في ذلك اليوم الطلقاء ولم يوقف واحداً منهم لإلزامه بالدخول إلى الإسلام ، بل أبقاهم على حالهم حتى دخلوا في الإسلام باختيارهم ، لكون القصد من الجهاد و هو إعلاء كلمة الله ، وإظهار دينه .  وقد حصل ذلك .  والإسلام هداية اختيارية ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجا ) ( 3) وقال : ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين ) (4) .

________________________

(1)                 21 و 22 – الغاشية .

(2)                 رواه الغزالي في الأحياء دون قوله " اذهبوا" من حديث  أبوهريرة  .

(3)                 125 – الأنعام .

(4)                 56 – القصص .