![]() |
|
فضل الإسلام
وما يشتمل عليه من المحاسن
والمصالح العظام
الحمد لله الذي وفق من أراد هدايته إلى
الإسلام ، فانقادت للعمل به من الجوارح والأركان . وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة
من قال ربي الله ثم استقام . وأشهد أن محمدا نبيه ورسوله سيد الأنام . اللهم صل
على نبيك ورسولك محمد ، وعلى آله وصحبه البررة الكرام ، وسلم تسليماً كثيراً . أما بعد : فإن الله سبحانه بفضله ورحمته ، قد أنعم
على عبادة بنعم كثيرة . وأجلها وأعظمها الهداية إلى الإسلام ، والثبات عليه حتى
يلقى ربه . كما في الحديث » قد أفلح من هدي إلى الإسلام ، ورزق كفافاً ، و
قنعه الله بما آتاه « (1) .
ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : ومن يرد أن
يضله يجعل صدره ضيقاً بذكر الإسلام ، حرجاً من أمره ونهيه ، وصلاته وصيامه ،
وحلاله وحرامه . يراه بمثابة التكاليف الشاقة عليه ، ينفر عن الطاعة ، ويألف
البطالة، يبغض أهل الإيمان ، ويميل بطبعه ومحبته إلى أهل الكفر والفسوق والعصيان ،
لأن شبيه الشيء منجذب إليه . والمرء على دين خليله وجليسه . ________________________ (1)
في مسند أحمد
ومسلم والترمذي وابن ماجة عن عمرو بن العاص (قد أفلح من أسلم ورزق ……) . (2)
رواه عن أبي
هريرة أحمد وأبو داود والترمذي . (3)
125 –
الأنعام . (4)
22 - الزمر
إن أكثر الناس في
هذا الزمان يتسمون بالإسلام ، وهم منه بعداء . وينتحلون حبه وهم له أعداء . يعادون
بنيه ، ويقوضون مبانيه ، لم يبق معهم منه سوى محض التسمي به ، والانتساب إليه ،
بدون عمل به ، ولا انقياد لحكمه ، فترى الكثير منهم لا يصلون الصلوات المفروضة ،
ولا يؤدون الزكاة الواجبة ، و لا يصومون رمضان ، و لا يحرمون ما حرم الله ورسوله ،
من الربا وشرب الخمر ، و لا يدينون دين الحق ، ويحبون أن يعيشوا في الدنيا عيشة
البهائم ، ليس عليهم أمر و لا نهي ، و لا صلاة و لا صيام ، ولا حلال و
لا حرام . فهؤلاء هم العادمون للدين
، والمعادون لأهله ، فهم جديرون بكل شر ، بعيدون عن كل خير . وعادم الخير لا يعطيه
. وكل إناء ينضح بما فيه . لأن دين الإسلام يهذب الأخلاق ، ويطهر الأعراق ، ويزيل
الكفر والشقاق والنفاق ، وسوء الأخلاق ، وإنما تنجم الأفعال الفظيعة ، والأعمال
الشنيعة ، من العادمين للدين. وليعتبر المعتبر
بالبلدان التي قوضت منها خيام الإسلام ، وترك أهلها فرائض الصلاة والزكاة والصيام
، واستباحوا الجهر بمنكرات الكفر والفسوق والعصيان ، كيف حال أهلها ! وما دخل
عليهم من النقص والجهل والكفر ، وفساد الأخلاق والعقائد والأعمال ، حتى صاروا
بمثابة البهائم ، يتهارجون في الطرقات ، لا يعرفون صياماً ولا صلاة ، لا يعرفون
معروفاً ، ولا ينكرون منكراً ، و لا يمتنعون عن قبيح ، و لا يهتدون إلى حق . قد ضرب الله قلوب بعضهم ببعض . لأن للمنكرات ثمرات ،
ولترك الطاعات عقوبات . ( وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها
رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا
يصنعون ) (1) .
وقد أشار النبي صلى الله
عليه وسلم إلى ذلك: يقول » إن
الله سبحانه قسم بينكم أخلاقكم ، كما قسم بينكم أرزاقكم ، وان الله يعطي الدنيا من
يحب ومن لا يحب ، و لا يعطي الدين إلا من يحب ، فمن أعطاه الله الدين فقد
أحبه « (2) . والدين .
هو هذا السمح السهل الموصل بمن تمسك به إلى سعادة الدنيا والآخرة . ليس بحرج ولا شاق ، ولا يقيد عقل مسلم عن
الحضارة ، و لا التوسع في التجارة المباحة ، بل هو سلم النجاح ، وسبب الفلاح .
رأسه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وعموده الصلاة ، وبقية
أركانه الزكاة ، والصيام ، وحج بيت الله الحرام . وقد جعل
الله هذه الأركان بمثابة البنيان للإسلام ، وبمثابة الفرقان بين المسلمين والكفار
، والمتقين والفجار ، وبمثابة محك التمحيص لصحة الإيمان ، بها يعرف صادق الإسلام
من بين أهل الكفر ، والفسوق والعصيان . وعند الامتحان ، يكرم المرء أو يهان . لأن الله
سبحانه لم يكن ليذر الناس على حسب ما يدعونه بألسنتهم ، بحيث يقول أحدهم أنا مسلم
أنا مؤمن . أشهد أن لا إله إلا الله . أشهد أن محمداً رسول الله ، بدون اختبار لهم
بالأعمال التي تصدق إسلامهم أو تكذبه ________________________ (1)
112- النحل . (2)
رواه الأمام
أحمد من حديث ابن مسعود . يقول الله : ( أحسب الناس أن
يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ) أ ي لا يختبرون ولا يمتحنون على صحة ما
يدعون ( ولقد فتنا الذين من قبلهم ) أي اختبرنا الأمم قبلهم بالشرائع من فعل
الواجبات وترك المحرمات ــ فليعلمن الله الذين صدقوا ـــ أي في دعوى إيمانهم حيث
قاموا بواجبات دينهم فصدق قولهم فعلهم ـــ وليعلمن الكاذبين ) (1) أي الذين قالوا آمنا بأفواههم ، ولم تؤمن قلوبهم
، ولم تنقد للعمل به جوارحهم ، وصار حظهم من الإسلام هو محض التسمي به ، والانتساب
إليه ، بدون عمل به ، ولا انقياد لحكمه . يقول الله
: ( ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين . يخادعون الله
والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ) (2) . فاعملوا بإسلامكم تعرفوا به ، وادعوا الناس إليه ، تكونوا من خير أهله ،
فإن للإسلام صوى ومناراً كمنار الطريق ، يعرف به صاحبه، وأنه لا إسلام بدون عمل . وقد روى
الأمام أحمد رحمه الله ــ من حديث أنس ــ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ________________________ (1)
1-2-
العنكبوت . (2)
7-9 – البقرة
. أما من يتسمى
بالإسلام وهو لا يصلى ، و لا يؤدي الزكاة الواجبة ، و لا يصوم رمضان ، ولا يصدق
بالبعث بعد الموت للجزاء على الأعمال ، و لا يصدق بالجنة والنار ، فلا شك أن
إسلامه مزيف مغشوش ، لا حقيقة له ، بل هو إسلام باللسان ، يكذبه الحس والوجدان ،
والسنة والقرآن . فمثل إسلامه كمثل البيت الخراب المتساقطة غرفه و عمدانه . وأكثر
الناس لا يعرفون الإسلام على حقيقته ، وإنما يعرفونه بإسمه فقط . فالإسلام قول باللسان ، واعتقاد بالجنان
، وعمل بالجوارح والأركان . إن دين الإسلام هو دين
الفطرة السليمة ، يجمع بين مصالح الدنيا والآخرة ، وبين مصالح الروح والجسد ، فهو
دين سعادة وسيادة . فمن إدعى عزل الدين عن الدولة ، فقد كذب . فهو الدين الذي شرع الله
لعباده ، وارتضاه ديناً للبشر كلهم : عربهم وعجمهم . لا دين لهم سواه ، يقول الله سبحانه : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم
نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ) (1) ، وقد ذاق طعم الإيمان : من رضي الله رباً ، وبالإسلام ديناً ،
وبمحمد نبياً رسولاً . ثبت بذلك الحديث . وقال سبحانه ( إن الدين عند الإسلام ) (2) وقال ( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه في الآخرة من الخاسرين ) (3) . إن دين الإسلام هو دين
السلام والأمان ، دين العزة والنظام ، المطهر للعقول من خرافات البدع ، والضلال
والأوهام . دين من قام به ساد ،
وسعدت به البلاد والعباد ، ومن ضيعه سقط في الذل والفساد ( ومن يهن الله فما له من
مكرم ) (2) . ________________________ (1)
3 – المائدة
. (2)
19 – آل
عمران . (3)
85 – آل
عمران . (4)
18 – الحج . دين يحترم الدماء
والأموال ويقول » إن
دماءكم وأموالكم حرام « فدين الإسلام : صالح لكل زمان ومكان ، قد نظم
أحوال الناس أحسن نظام ، بالحكمة ، والمصلحة ، والعدل ، والإحسان . فلو أن الناس
آمنوا بتعاليمه ، وانقادوا لحكمه وتنظيمه ، ووقفوا عند حدوده ومراسيمه ، لصاروا
سعداء لأنه يهدي للتي هي أقوم . إن أكثر
الأمم في هذا الزمان لما خسروا الإسلام ، ولم يكن لهم حظ و لا نصيب من العمل
بالسنة والقرآن ، أصبحوا فوضى حيارى ، ليس لهم دين يعصمهم ، و لا شريعة تنظمهم ،
فصاروا في أخلاق البهائم ، يعتذرون بأنه ليس عليهم أمر ونهي ، ولا صلاة و لا صيام إن أعداء
الإسلام قد شوهوا سمعة الإسلام ، وألبسوه أثواباً من الزور والبهتان ، ومن التدليس
والكتمان ، حيث وصفوه بان فرائضه تكاليف شاقة ، وأن حدوده آصار وأغلال ، وأنه لا
يتلاءم الحكم به مع القرن العشرين . ونحو ذلك مما يقولون ( كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا
كذباً ) (4)
. فهذه
الأقوال الكاذبة الخاطئة إنما خرجت من المستشرقين ، أعداء الإسلام والمسلمين ،
قصدوا بها صد الناس عن الدين ، لأنهم لم يعرفوا ________________________ (1)
رواه مسلم عن
جابر بن عبد الله . (2)
من خطبته صلى
الله عليه وسلم بعرفة في حجة الوداع . (3)
44 – الفرقان
. (4)
5 – الكهف . الإسلام ، ولم يذوقوا حلاوته . من ذاق منه عرف ، ومن حرم انحرف ، فمن جهل
الإسلام عابه وعاداه ، وقد قيل :
لقد مكث
المسلمون ثلاثة عشر قرناً يحكمون بالشريعة الإسلامية الكفيلة بحل مشاكلهم ، وما
وقع في هذا الزمان ، وما سيقع بعد أزمان .
عملاً بقوله سبحانه ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم و
أحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ) (1) . فكان
الحكام المسلمون يحكمون بالقصاص ، وقطع يد السارق ويجلدون الزاني والقاذف وشارب الخمر ، ولا تأخذهم في الله لومة
لائم . فكانت لهم العزة والقوة والتمكين في الأرض، وهذه الحدود ، واستوحش الناس
منها ، واستشنعوها ، لكنها بمثابة العلاج الوحيد لتقليل الجرائم ، فهي العلاج
الشافي النافع لعللهم ، وإصلاح مجتمعهم ( قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين خرج
الصحابة رضي الله عنهم من جزيرتهم والقرآن بأيديهم ، يدعون الناس إليه ، ويفتحون
به ويسودون . فهو السبب الأعظم الذي نهضوا به ، وفتحوا وسادوا وشادوا ، وبلغوا
المبالغ كلها من المجد والرقي ، وتحولوا بهدايته من الفرقة والاختلاف ، إلى الوحدة
والائتلاف ، ومن الجفاء والبداوة والهمجية ، والعلم ، والمدنية ، واستبدلوا ________________________ (1)
49 – المائدة
. (2)
44 – فصلت . (3)
18 – الحج . بأرواحهم الجافية الجاهلية أرواحاً جديدة دينية ، صيرتهم إلى ما صاروا إليه
من عز ومنعة ومجد ، وعلم ، وعرفان
. وقد أنجزهم الله ما وعدهم به في
القرآن بقوله : ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض
كما استخلف الذي من قبلهم و ليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد
خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ) (1) . وصدق الله وعده ، فكانوا هم ملوك الأمصار
، بعد أن كانوا عالة في القرى والقفار ، يعز على أحدهم شبع جوعته ، وستر عورته .
ولما تدفقت جحافل الصحابة المظفرة على بلاد الأكاسرة ، وعلم رستم قائد الفرس
الأعلى أنها الهزيمة لا محالة ، أرسل إلى سعد ابن أبي وقاص ، أن أخبرونا بالذي
تريدون منا ، وما الغرض الذي أقدمكم على بلادنا ؟ فكان جوابهم الذي لم يختلف أن
قالوا : فهذا
صنيع سلف المسلمين الكرام ، من الصحابة والتابعين ، وتابعيهم بإحسان . قد جاهدوا
عليه بالحجة والبيان ، والسنة والقرآن ، حتى اتسعت حضارة الإسلام اتساعاً عظيماً ،
لا يماثل ولا يضاهي و لا يضام . ذلك
بأنها لما اتسعت فتوحهم الإسلامية ، وامتد سلطانهم على الأقطار الأجنبية ، لم يقصروا
نفوسهم على استلذاذ الترف ورخاء العيش ، وتزويق الأبنية وخزن النقود فحسب ، بل
عكفوا جادين على تمهيد قواعد الدين ، وهدم قواعد الملحدين ، ونشر العلوم الإسلامية
، والأحكام الشرعية ، وتعميم اللغة العربية ، فاختلطوا المدن ، وأنشأوا المساجد
ونشروا المكارم والمفاخر وأزالوا المنكرات والخبائث ، فأوجدوا حضارة نضرة ، جمعت
بين ________________________ (1)
55 – النور . الدين والدنيا . أسسوا قواعدها على الطاعة ، فدامت
لهم بقوة الاستطاعة ، وغرسوا فيها الأعمال البارة فأينعت لهم بالأرزاق الدارة . أمدهم الله بالمال والبنين ،
وجعلهم أهل الأرض نفيراً . وإنما ضعف المسلمون في
هذه القرون الأخيرة، وساءت حالهم وانتقص الأعداء بعض بلدانهم ، كل ذلك من أجل أنه
ضعف عملهم بالإسلام ، وساء اعتقادهم فيه ، وصار فيهم منافقون، يدعون إلى تحكيم
القوانين الوضعية بدله ، ولأجله صاروا من أسوأ الناس حالاً ، وأبينهم ضلالاً
وأشدهم اضطراباً وزلزالاً ، وصاروا جديرين بزوال النعم ، والإلزام النقم ، لأن
سبحانه قال واقتضت حكمة الله
المشاهدة بطريق الاعتبار والتجربة ، أنه ما ظهر الإلحاد والزندقة في بلد فكفر
أهلها بالشريعة الإسلامية ، وتركوا الصلاة والزكاة والصيام ، والتكاليف الشرعية ،
واستباحوا المنكرات ، وشرب المسكرات الوبيئة ، إلا فتح عليهم من الشر كل باب ، وصب
عليهم ربك سوط عذاب . ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن
الله شديد العذاب ) (2) . فانتبهوا من غفلتكم ،
وتوبوا من زللكم ، وتمسكوا بدينكم ، وحافظوا على فرائض ربكم ، وأطيعوا الله ورسوله
إن كنتم مؤمنين . _______________________ (1)
11 – الرعد . (2)
25- الأنفال
. |