الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

الجمعة وفرضها وبيان فضلها

والتحذير عن دخول البدع فيها

 

     الحمد لله رب العالمين ، وبه نستعين . ونصلي ونسلم على رسول الله سيد المرسلين . وأشهد أن لا إله إلا الله . وأشهد أن محمداً محمد رسول الله .

     أما بعد : ــ

     فإن الله سبحانه خلق الخلق لعبادته ، وافترض عليهم توحيده وطاعته أوجب ذلك عليهم في خاصة أنفسهم ، وأن يجاهدوا عليها أهلهم وأولادهم وآكد العبادة ، الصلوات الخمسة المفروضة ، التي هي عمود الديانة ، ورأس الأمانة وآكدها صلاة الجمعة التي هي عيد الأسبوع ، وهي أفضل من عيد الأَضحى وعيد الفطر ، لأن الله سبحانه اختار لهذه الأمة يوم الجمعة عيداً يتفرغون فيه لعبادته ربهم ، كما في الصحيح : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :   » أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا ، فكان لليهود يوم السبت ، وللنصارى يوم الأحد ، فجاء الله بنا ، فهدانا ليوم الجمعة، نحن الآخرون السابقون  « .

     افترضت الجمعة على النبي صلى الله عليه وسلم بمكة كسائر الصلوات الخمس ، لكنه
لم يتمكن من إقامتها بمكة ، من أجل أن المشركين يمنعونه من ذلك .  ولما هاجر بعض الصحابة إلى المدينة ، أمر النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير بأن يصلى بهم الجمعة . قال
عبد الرحمن بن كعب وكان قائد أبيه بعد ما عمي ــ قال:
 » كان أبي إذا سمع آذان الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة . فقلت يا أبت إنك إذا سمعت آذان الجمعة ترحمت لأسعد بن زرارة ؟ قال: نعم يا بني ، إنه أول من جمع بنا في نقيع الخضمات في حرة بن بياضة ، وذبح لنا شاة ، فتغدينا عنده. قلت : كم كنتم يومئذ؟ . قال : نحن أربعون « (1) .

________________________

(1)                 رواه أبو داود وابن ماجة وأخرجه أيضاً ابن حبان والبيقهي وصححه .

 

أخذ بهذا الحديث من اشترط لصحة الجمعة حضور أربعين من أهل وجوبها . ولا دليل في الحديث على اشتراط هذا العدد .  لأنها قضية حال صادفت كونهم أربعين بدون تحديد من الشارع.  والصحيح :  أن الجمعة تصح ولو بدون أربعين ، فكل قوم في قرية فإنه يجب عليهم أن يقيموا صلاة الجمعة ، ولو كانوا عشرة ، أو أقل أو أكثر .

أما النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن أول جمعة صلاها في مسجد بني عبد الأسهل بالمدينة حين قدم إليها مهاجراً ، ونزل على أبي أيوب الأنصاري ، فوافق قدومه يوم الجمعة ، فصلى بالناس ، وحفظ من خطبته في ذلك اليوم بعد حمد الله والثناء عليه أنه قال :   »  أيها الناس توبوا إلى ربكم قبل أن تموتوا ، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا ، وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له ، وكثرة الصدقة في السر والعلانية تنصروا ، وترزقوا ، وتجبروا ، واعلموا أن الله افترض عليكم صلاة الجمعة في يومي هذا . في مقامي هذا . من تركها تهاوناً بها، واستخفافاً بقدرها ، فلا جمع الله شمله ، ولا بارك له في أمره ، ألا ولا صلاة له، ألا ولا زكاة له، ألا ولا صيام له « (1) .

وفي الحديث دليل  على عقوبة التارك للجمعة بدون عذر ، فإنه متعرض لإحباط عمله من صلاته وصيامه ، ثم هو متعرض لوقوع دعاء النبي صلى الله عليه وسلم عليه ، حيث
قال
: » فلا جمع الله شمله ، ولا بارك له في أمره « . ومن لا يجمع الله شمله ، يكون مشتت الحال ، كثير الهم والغم والبلبال ،  كما أن من لا يبارك الله في أمره يكون دائماً هلوعاً جذوعا . جموعاً منوعاً ، كشارب البحر ، كلما ازداد شرباً ازداد عطشاً .  فهو فقير لكنه لا يؤجر على فقره ، بل الفقير أحسن حالاً منه . ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :   » الهم قنعني بما رزقتني ، وبارك لي فيه ، واخلف علي كل فائتة بخير  « .

________________________

(1)                 من حديث جابر ومن حديث أبي سعيد الخدري : رواه ابن ماجة والطبراني في الأوسط .

 

إن بعض الناس يثقل عليهم حضور الجمعة ، ويتهربون إلى الصحراء عنها ، ويتركونها بدون أن يصلوا في طريقهم في أحد المساجد التي تقام فيها الجمع . وهذا إنما ينشأ عن ضعف الإيمان ، وعدم الرغبة في الثواب المترتب عليها ، وإذا خرج الرجل إلى الصحراء وتعمد ترك الجمعة ، دعت عليه الملائكة بأن لا يصحب في سفره ، و لا تقضي حاجته .

ذكر العلامة إبن القيم في كتاب » الهدي النبوي « وقد قال النبي صلى عليه وسلم على أعواد منبره قال : » لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين« (1) . والختم هو أن يقفل على القلب فلا يدخله هدى ، و لا يتخلص من الردى .
وقال:
» من ترك ثلاث جمع تهاوناً طبع الله على قلبه  « . وقد هم رسول الله صلى عليه وسلم بإحراق بيوت المتخلفين عن الجمعة لولا ما اشتملت عليه البيوت من الذرية والنساء الذين
لا يجب عليهم حضورها
(2) .

إن حضور الجمعة واجب علي كل مسلم إلا على أربعة .  مملوك وامرأة وصبي ومريض، كما ثبت بذلك الحديث (3) . فالمريض الذي لا يستطيع حضور الجمعة ، يصليها ظهراً أربع ركعات ، وله ثواب الجمعة على قدر نيته . وكذا المرأة . تصليها في بيتها أربع ركعات ، كصلاة الظهر ، لأنه لا جمعة عليها ، وتدرك ثواب الجمعة وفضلها على حسب نيتها ، إلا إذا حضرت المسجد مع الناس ، في أحد المساجد الذي

________________________

(1)                 رواه مسلم من حديث أبي هريرة وابن عمر وكذا رواه ابن ماجة من حديثهما .

(2)                 رواه مسلم من عبد الله بن مسعود .

(3)                 من رواية طارق رواه أبو داود عن طارق ابن شهاب وقال لا يسمع طارق من النبي صلى الله عليه وسلم رواه الحاكم عن أبي موسى .

 

الذي يصلى فيه النساء معزل عن الرجال ، كمسجد مكة والمدينة ، فإنها تصليها ركعتين كما يصلي الرجال .  وينبغي للمسلم أن يغتنم التكبير للجمعة ، ويغتنم ثوابها وفضلها ، لأن حضور الجمعة خير من الدنيا وما فيها .  وإن الملائكة يكتبون الأول فالأول . كما أن الشياطين تغدو براياتها إلى الأسواق ، يثبطون الناس عن الصلاة .  وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم

قال : » قال الله عز وجل : » يا أبن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى وأسد فقرك وإن لا تفعل ملأت قبلك شغلاً ولم أسد فقرك « (1) .

     إنه يوجد من الناس بعض الأمصار من يحافظ على حضور الجمعة لكنه يهمل فرائض الصلاة في سائر الأوقات ، لزعمه أن حضور الجمعة يكفر عنه عدم حضوره الصلوات الخمس، ويتأولون حديث الجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينها . وحديث من صلى الجمعة كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام .

     وهؤلاء ممن قال الله فيهم ( ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً . أولئك هم الكافرون حقاً واعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً ) (2) .  فإن تكفير ما بين الجمعة إلى الجمعة مشروط بالمحافظة على سائر الصلوات الخمس ، وصيام رمضان ، كما في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان ، كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر « .  فشرط التكفير كونه يجتنب الكبائر .  وترك الصلاة هو أكبر من الكبائر ، بل إن تعمد ترك الصلاة كفر بالله ، لأنها عمود الإسلام ، والناهية عن الفحشاء .

________________________

(1)           هذا الحديث عن معقل ابن يسار قال : قال رسول الله : يقول ربكم يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى وأملأ يديك رزقاً يا ابن آدم لا تباعد مني أملأ قلبك فقراً وأملأ يديك شغلاً ، رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد .

(2)                 151 – السناء

 

والآثام .  من تركها فقد كفر كما في صحيح مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
» بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة من تركها فقد كفر « وفي رواية » من تركها فقد أشرك « وقد أجمع العلماء على كفر من استباح ترك الصلاة .

     ثم أن للجمعة آداباً ينبغي للمسلم المحتسب أن يحافظ على آدابها رجاء ثوابها ، فمنها الاغتسال لها ، ولبس أحسن الثياب ، ومس الطيب ، وإذا دخل المسجد صلى ما يتيسر له .  فمن الصحابة من يصلي اثنتي عشرة ركعة .  ومنهم يصلي ثماني ركعات .  ومنهم من يصلي أقل. ومنهم من يصلي أكثر .  والنبي صلى الله عليه وسلم قد حث على هذا كله . فقال :  » من اغتسل يوم الجمعة ، ولبس أحسن ثيابه ، ومس من طيب أهله ، ثم صلى ما كتب له ، ثم أنصت حتى يفرغ الأمام من خطبته . غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام . ومن مس الحصا فقد لغا ، ومن لغا فلا جمعة له « رواه مسلم . وقال : » ومن تكلم والإمام يخطب فقد لغا ، ومن لغا فلا جمعة له « .

     فمن فوائد هذه الأحاديث ، أن خروج الإمام ، وشروعه في الخطبة ، أنه يمنع من فعل التطوع بالصلاة ، ويمنع من الكلام . فلا يجوز لأحد أن يقوم ثم يصلي ، لأن هذا وقت نهى ، إلا إذا دخل المسجد والإمام يخطب ، أو المؤذن يؤذن ، فإنه يصلي ركعتين تحية المسجد قبل أن يجلس . لما في صحيح مسلم عن جابر :  » أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب ، فدخل رجل يقال له سليك الغطفاني فجلس قبل أن يصلى ركعتين . فقطع النبي خطبته ، ثم قال له:
يا سليك أصليت ركعتين ؟ قال لا قال فقم وصل ركعتين
 « .

     ومن آداب الجمعة الاستماع للخطبة ، وان لا يتكلم بشيء ، فإن الكلام يبطل ثواب الجمعة وأن لا يتخطى رقاب الناس إلى بقعة يريد أن يصلي فيها وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تخطي رقاب الناس في المسجد .  ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يتخطى رقاب الناس قال له إجلس .  فقد آذيت وآنيت . فواجب المسلم أن يجلس حيث ينتهي به الجلوس من المسجد بدون أن يتخطى رقاب الناس . وبدون أن يحتجز له بقعة يضع فيها عصا أو مصلى ، ثم يتخطى رقاب الناس إليها .

     فقد عد بعض العلماء هذا ظلماً .  كما أنه بدعة لكونه يحجز هذه البقعة عن المبكرين السابقين إلى المسجد ، والسابق إلى المسجد أحق بالتقدم إليها ، لأن الله يقول ( والسابقون السابقون . أولئك المقربون ) (1) وقد قال بعض العلماء بعدم صحة الصلاة في ذلك المكان المحجوز ، لأنها بمثابة البقعة المغصوبة .  حيث إن من منع المستوجبين للتقدم في الروضة والصف المتقدم فقد ظلمهم حقهم . وقد قيل :

    ووضع المصلى في المساجد بدعة

 

وليس من الهدي القويم المحمدي

    وتقديمه في الصف حجر لروضة

 

ومنع لها عن سابق متعبد

     ومما ينبغي أن ننصح به : أن المسلم إذا دخل المسجد فإنه يجب عليه أن يوطن نفسه ، وان يعتقد اعتقاداً جازماً لصحة جمعته التي يصليها مع الإمام ، ومع جماعة المسلمين ، وأنها جمعة صحيحة تامة ، يرجو ثوابها وأجرها عند الله ، و لا يختلج في قلبه شك في صحتها بناء على ما يسمعه من بعض الفقهاء الذين يقيدون الشريعة بقيود توهن الانقياد .  فقد سمعنا عن بعض البلدان: أن بعضهم يصلي الجمعة بنية فاسدة ، حيث يدخل فيها وبنيته أن يعيدها ظهراً لاعتقاده بطلانها .  ولا شك أن الداخل في صلاة الجمعة بنية فاسدة فإن جمعته فاسدة  » ولكل امرئ ما نوى « (2) . ونحمد الله أننا

________________________

(1)                 10-11 الواقعة .

(2)                 من حديث رواه البخاري ومسلم .

 

في عافية من هذه البدعة .  فلا تفعل عندنا . وانما ننصح عنها من ابتلى بها من إخواننا المسلمين الذين جعلوا هذه البدعة بمثابة الزيادة في الدين .  وهي من وساس الشياطين . ونعوذ بالله من شر الوسواس الخناس ، الذي يوسوس في صدور الناس ، من الجنة والناس .  فهؤلاء الذين يفعلون ذلك ، يعتبرون بأنهم خاسرون لفضل جمعتهم وفرضها ، فينصرفون عن الجمعة يخفي حنين حيث خسروا الجمعة حين دخولها بنية فاسدة .  والله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً صواباً .  كما أنهم يخسرون صلاة الظهر ، فلا تصح منهم ، فينصرفون وفد خسروا الجمعة ، وخسروا صلاة الظهر . ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم) (1) .

     وهنا أمر ينبغي التفطن له وهو : أن الجمعة لا تدرك إلا بإدراك ركعة تامة . فإذا دخل الإنسان المسجد وأدرك مع الإمام الركعة الثانية من الجمعة فإنه يعتبر مدركاً للجمعة .  بحيث يأتي بالركعة الثانية فقط ، وتصح جمعته ، لأن من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة . أما إذا دخل المسجد ووجد الإمام قد رفع رأسه من الركعة الثانية فإنه يعتبر بأن الجمعة قد فاتته . فلا جمعة له . فمن واجبه أن يصليها ظهراً ، أربع ركعات . سواء كان وحده أو مع جماعة . لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :  » من أدرك ركعة من الجمعة فليضف إليها أخرى وقد تمت صلاته ، وإن أدرك أقل من ذلك فليصل ظهراً  « .

     إن الله سبحانه لما أمر عباده المؤمنين بالمبادرة بالسعي إلى الجمعة .  وترك البيع والشراء ، والأخذ والعطاء ــ بعد النداء للتفرغ لعبادتها .  وأخبر أن حضور الجمعة خير لهم من الدنيا وما فيها .  فقال تعالى :  ( يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) (2) .

________________________

(1)                 33 – محمد .

(2)                 9 – الجمعة .

 

ثم إنه سبحانه أذن لهم بعد الفراغ منها أن ينتشروا في الأرض ويبتغوا من فضل الله فقال سبحانه ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ) (1) أي بيعوا واشتروا وابنوا واغرسوا ، وسافروا للتجارة في البر والبحر ، لأنكم قد أديتم واجبكم . وحافظتم على فريضة ربكم .  والمحافظة على الواجبات هي من أكبر العون على قضاء الحاجات ، وتفريج الكربات ، وسعة الرزق في الحياة ( ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً ) (2) .  (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب) (3) .

     وكان عراك ابن مالك أحد التابعين إذا فرغ من صلاة الجمعة ، أمسك بعضادة باب المسجد وقال :  اللهم إني أجبت دعوتك ، وأديت فريضتك ، وانتشرت كما أمرتني ، فارزقني من فضلك كما وعدتني ، إنك خير الرازقين ، فأثرى ماله ، وكثر خيره .

     أسأل الله سبحانه  أن يعمنا وإياكم بعفوفه ، وأن يسبغ علينا وعليكم واسع فضله ، وأن يدخلنا برحمته في الصالحين من عباده ، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته .

________________________

(1)                 10 – الجمعة .

(2)                 4 – الطلاق .

(3)                 2-3 – الطلاق .