![]() |
|
المحافظة على الصلوات الخمسة
وكونها
العنوان على صحة الإيمان
الحمد لله العفو الغفور ، الرؤوف الشكور ،
الذي وفق من أراد هدايته لمحاسن الأمور ، ومكاسب الأجور . فعملوا في حياتهم
أعمالاً صالحة لوفاتهم . يرجون بها تجارةً لن تبور . وأشهد أن لا إله إلا الله
بيده مواقيت الأعمار ، ومقادير الأمور . وأشهد أن محمداً نبيه ورسوله الداعي إلى
كل عمل مبرور . اللهم صل على نبيك ورسولك محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً
كثيراً. أما بعد : ـ فإن الله
سبحانه خلق الخلق لعبادته ، وأمرهم بتوحيده وطاعته . وأوجب ذلك عليهم في خاصة أنفسهم
، وأن يجاهدوا عليه أهلهم وأولادهم ( وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم ) (1) . فالطاعة قيد النعم . والمعاصي من أسباب حلول النقم . ورأس الطاعة بعد
الشهادتين : الصلاة التي هي عمود الديانة ، ورأس الأمانة ، تهدى إلى الفضائل .
وتكف عن الرذائل . تذكر بالله الكريم الأكبر ، وتصد عن الفحشاء والمنكر ، يقول
الله سبحانه ( أتل ما أوحى إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء
والمنكر ولذكر الله أكبر ) (2) .
تفتح باب
الرزق ، وتيسر الأمر ، وتشرح الصدر ، وتزيل الهم والغم ، وهي من أكبر ما يستعان به
على أمور الحياة وعلى جلب الرزق ، وكثرة الخيرات ، ونزول البركات ، وقضاء الحاجات
. ________________________ (1)
78 – الحج . (2)
الآية 45-
العنكبوت . وكانت الصحابة إذا حزبهم أمر
من أمور الحياة ، أو وقعوا في شدة من الشدات ، فزعوا إلى الصلاة ، لأن الله يقول (
استعينوا بالصبر والصلاة ) (1) . فهي
قرة العين للمؤمنين في الحياة ، كما في الحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال
: » حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء ، وجعلت قرة عيني في الصلاة « . رواه الأمام أحمد ، والنسائي من حديث أنس. وهي خمس صلوات مفرقة بين سائر
الأوقات ، لئلا تطول مدة الغفلة بين العبد وبين ربه . من حافظ عليها كان له عند
الله عهد أن يدخله الجنة . ومن لم
يحافظ عليها لم يكن له عند الله عهد . » فالصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان
إلى رمضان ، مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر « كما ثبت بذلك الحديث (2) وقد وصفها رسول الله صلى الله
عليه وسلم » بنهر غمر ــ أي كثير ــ يغتسل منه المسلم كل مسلم
خمس مرات ، هل يبقى من درنه شيء قالوا : لا. فقال: فكذلك الصلوات الخمس يمحو الله
بهن الخطايا « . وإنما سميت صلاة ، من
أجل أنها تشتمل على الدعاء ، أو من أجل أنها صلة بين العبد وبين ربه . فالمصلي
متصل بربه ، موصول من فضل الله وبره وكرمه ، كما في الحديث : أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال : » آمركم
بالصلاة فإن الله ينصب وجهه قبل وجه عبده ما لم يلتفت في صلاته« (3) . فالمحافظة على فرائض الصلوات في الجماعات
هي العنوان على صحة الإيمان لأن الله يقول ( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله
واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتي الزكاة ولم يخش إلا الله ) (4) . وعمارتها تحصل ________________________ (1)
45 – البقرة
. (2)
رواه مسلم من
حديث أبي هريرة . (3)
رواه الإمام
أحمد من حديث الحارث الأشعري . (4)
الآية 18 من
سورة التوبة . بالصلاة فيها ومن بنى مسجداً يحتسب
ثوابه عند الله بنى الله له قصراً في الجنة ـــ أما من بنى مسجداً ثم هجره من
الصلاة فيه ، فإنه آثم في عمله وهجرانه لمسجد ربه . وفي الحديث أن الناس في
آخر الزمان يعمرون المساجد ، ولا يذكرون الله فيها إلا قليلاً . وكان الصحابة يرون
التارك للصلاة في الجماعة منافقاً .
يقولون ذلك ولا يأثمون ، كما في صحيح مسلم ، عن ابن مسعود قال : لقد رأيتنا
وما يتخلف عن الصلاة في الجماعة إلا منافق معلوم النفاق . لأن من صفة المنافقين ما
أخبر الله عنهم بقوله ( وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً ذلك بأنهم
قوم لا يعقلون ) (1) . فنفى الله عنهم العقل
الصحيح ، من أجل عدم إجابتهم لنداء الصلاة ، الذي هو نداء بالفلاح والفوز والنجاح
. وإنما سمي العقل عقلاً
من أجل أنه يعقل عن الله مراده ، أمره ونهيه . أو من أجل أنه يعقل صاحبه على المحافظة على الفرائض والفضائل ،
ويردعه عن منكرات الأخلاق والرذائل .
إنه
لو كان عند هؤلاء التاركين للصلاة في الجماعة عقل صحيح ، لما أهملوا حظهم من هذا
الفلاح . والمنادي ينادي فيهم حي
على الصلاة حي على الفلاح . والنبي
صلى الله عليه وسلم يقول : » من دعي إلى الفلاح فلم يجب لم يرد به خير « (2) . ويقول أن الجفاء كل الجفاء
والكفر والنفاق فيمن سمع داعي الله بالصلاة ثم لا يجيب ، وقد هم رسول الله صلى
الله عليه وسلم بإحراق بيوت المتخلفين عن الصلاة في الجماعة ، لو لا ما اشتملت
عليه البيوت من الذرية والنساء الذين لا تجب عليهم ________________________ (1)
58 – المائدة
. (2)
رواه مسلم
وأبو داود والترمذي من حديث جندب بن عبد الله . الجماعة . سيما إذا كان هذا
التارك للصلاة في الجماعة من المنتسبين للعلم أو من الأساتذة المعلمين ، فيسمع
النداء ، ثم يصر مستكبراً عن الحضور إلى المسجد ، فإنه يكون فتنة للعامة ، لأن
تخلفه بمثابة الدعاية السافرة ، وبمثابة التعليم منه بهجران المساجد ، بحيث يتوهم
العامة بنظرهم إليه أن صلاة الجماعة ليست بواجبة . والنبي صلى الله عليه وسلم قد حذر من الاغترار بمثله . فقال : » ما بال أقوام يتخلفون عن الصلاة في الجماعة
فيتخلف بتخلفهم آخرون أولئكم شراركم وأولئكم شراركم « . لأن الناس يقلد بعضهم بعضاً في الخير والشر . و قال : » ما من ثلاثة في قرية لا بدو لا تقام فيهم الجماعة إلا استحوذ عليهم الشيطان
، فعليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية « . رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم بإسناد صحيح . ومن
المشاهد بالتجربة والاعتبار . إن
الذين لا يشهدون الصلاة في الجماعة انهم غالبا إن رأس العلم
، خشية الله . فلو كان عند هؤلاء المنتسبين للعلم نصيب من خشية الله لما أهملوا
حظهم من حضوره الصلاة في الجماعة التي من حافظ عليها كان في ذمة الله وعهده
ورعايته . لما في الحديث الصحيح .
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
»من صلى العشاء في جماعة كان في ذمة الله حتى يصبح . ومن صلى الفجر في جماعة
كان في ذمة الله حتى يمسي «. وقال : » من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف الليل ومن
صلى الفجر في جماعة كان كقيام الليل كله « (1) . ________________________ (1)
رواه مالك
ومسلم وأبو داود من حديث عثمان بن عفان ولفظه . قال سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول : من صلى العشاء في جماعة
فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الصبح في جماعة فإنما قام الليل كله . والمتخلف عن الجماعة قد خسر هذا الخير كله . إن أعظم
الناس بركة ، وأشرفهم مزية ومنزلة ، الرجل يكون في المجلس وعند جلساؤه ، وأصحابه ،
وأولاده ، وخدمه ، فيسمع النداء بالصلاة ، فيقوم إليها فزعاً وفرحاً ، ويأمر من
عنده بالقيام إلى الصلاة معه ، فيؤمون مسجداً من مساجد الله ، لأداء فريضة من
فرائض الله . بعلوهم النور . والوقار
على وجوههم . كل من رآهم ذكر الله
عند رؤيتهم . أولئك الميامين على
أنفسهم والميامين على جلسائهم
وأولادهم ( أولئك الذين هداهم الله . وأولئك هم أولوا الألباب ) (1) . وبضد هؤلاء
: قوم يجلسون في المجالس ، وفي
المقاهي ، وفي النوادي ، وفي ملاعب الكرة ، فيسمعون النداء بالصلاة ثم لا يجيبون .
ألسنتهم لاغية ، وقلوبهم لاهية ، ( استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك
حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون ) (2) . فهؤلاء هم
المشائيم على أنفسهم ، والمشائيم على جلسائهم وأولادهم .
أما تارك للصلاة بالكلية
، بحيث يمر عليه اليوم واليومان ، والشهر والشهران وهو لا يصلى وربما يتعذر بعدم طهارة ثوبه وسرواله
. فهذا كافر قطعاً ، بشهادة رسول
الله عليه ( وقد خاب من افترى ) (3) . ففي صحيح مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة من تركها فقد
كفر « . وقال : » العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة من تركها فقد كفر « (4) . وروي : » لا دين لمن لا صلاة له « . ________________________ (1)
18 – زمر . (2)
19 –
المجادلة . (3)
61 – طه . (4)
رواه من حديث
بريده أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وقال حسن صحيح وابن ماجة وابن تحبان في
صحيحه . والحاكم . إن موضع
الصلاة من الدين ، كموضع الرأس من الجسد ، لأن الصلاة عمود الإسلام وهي آخر ما
يفقد من دين كل إنسان . ولهذا كان العلماء يسمونها الميزان . فإذا أرادوا أن
يبحثوا عن دين إنسان سألوا عن صلاته .
فإنه حدثوا بأنه يحافظ على الصلاة علموا بأنه ذو دين ، وأنه مؤمن . وان
حدثوا بأنه لا حظ له في الصلاة
علموا بأنه لا دين له ، ومن لا دين له ، جدير بكل شر ، بعيد عن كل خير ،
وعادم الخير لا يعطيه ، وكل إناء ينضح بما فيه . ( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وأتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ) (1) . وقد حكى
بعض العلماء إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة عمداً ، كما أن أئمة المذاهب
الأربعة قد أجمعوا على كفر من استباح ترك الصلاة . إذ لا يصر على ترك الصلاة مؤمن
بوجوبها . فحافظوا عل
فرائض ربكم ، وخذوا بأيدي أولادكم إلى الصلاة في المساجد معكم ، فإن من شب على شيء
شاب على حبه ، ولأنه بأخذ يد الوالد إليها ، ومجاهدته عليها ، يعود حبها ملكة
راسخة في قلبه . تحببه إلى ربه . وتقربه من خلقه . وتصلح له أمر دنياه وآخرته ، ولأنها بمثابة الدواء الفرد ،
تقيم اعوجاج الولد ، وتصلح منه ما فسد ، وتذكره بالله الكريم الأكبر ، وتصده عن
الفحشاء والمنكر . وأنكم متى
أهملتم تربية أولادكم ، فلم تهذبوهم على الصلاح وفعل الصلاة ________________________ (1)
11 – التوبة
. في المساجد معكم ، فإنه لا بد أن يتولى تربيتهم
الشيطان ، فيحبب إليهم الكفر والفسوق والعصيان ، وصدق الله العظيم ( ومن يعش ــ أي
يعرض ــ عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين . وإنهم ليصدون عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون ) (1) . أما إذا ترك الوالد الصلاة ، فإن الولد يتأسى به في تركها ، لأن الوالد
مدرسة لأولاده في الخير والشر .
وإذا صلح الراعي صلحت الرعية .
وإذا فسد الراعي فسدت الرعية .
فمتى ترك الوالد الصلاة تركها الولد ، وتركتها الزوجة والبنات ، أو شرب
المسكرات شربها الولد ، أو شرب الدخان التنباك شربه الولد ، أو أطلق لسانه باللعن
والشتم عند أدنى مناسبة ، أطلق الأولاد ألسنتهم به . لأن هذا بمثابة التعليم الذي
ينطبع في أخلاقهم . والجريمة جريمة المربي الذي كما يجب على المرأة المحافظة
على واجبات دينها ، من طهارتها وصلاتها ، وأن تأمر أولادها وبناتها بذلك ، فإنها
مسئولة عن حسن تربيتهم . و في
الحديث » المرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها « (2) . فيا معشر المسلمين . إن
الله سبحانه قد شرفكم بالإسلام ، وفضلكم به على سائر الأنام ، متى قمتم بالعمل به
على التمام ، وأن دين الإسلام هو بمثابة الروح لكل إنسان ، فضياعه من أكبر الخسران
. وأن ليس الإسلام بمحض التسمي به باللسان ، والانتساب إليه بالعنوان ،
ولكنه ما وقر في القلب وصدقته الأعمال . ________________________ (1)
36 - 37 –
الزخرف . (2)
من حديث رواه
أحمد في مسنده وفي البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن ابن عمر . إن للإسلام صوى ومناراً كمنار الطريق يعرف به
صاحبه . فاعملوا بإسلامكم تعرفوا به ادعوا الناس إليه تكونوا من خير أهله . فإنه لا إسلام بدون العمل . وقد وصف الله المؤمنين بقوله : (
والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون
الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله ) (1) . فمتى سافر أحدكم إلى
الأقطار الأجنبية لحاجة التعلم ، أو لحاجة العلاج ، أو لحاجة التجارة ، فمن واجبه
أن يظهر إسلامه في أي بلد يحل به ، فيدعوا إلى دينه ، وإلى طاعة ربه بالحكمة
والموعظة الحسنة ، وإذا حضرت فريضة من فرائض الصلوات وجب عليه أن يبادر بأدائها في
وقتها ، فيأمر من عنده من جلسائه وزملائه بأن يصلوا جماعة ، حتى يكون مباركاً على
نفسه ، ومباركاً على جلسائه وزملائه . أما إذا أهملتم تربية أنفسكم وأولادكم ، وضيعتم
فرائض ربكم ، ونسيتم أمر آخرتكم ، وصرفتم جل عقولكم وجل أعمالكم ، واهتمامكم للعمل
في دنياكم ، واتباع شهوات بطونكم وفروجكم صرتم مثالاً للمعايب ، ورشقاً لنبال
المثالب ، وسيسجل التاريخ مساوئكم السيئة التي خالفتم بها سيرة سلفكم الصالحين
الذين شرفوا عليكم بتمسكهم بالدين ، وطاعة رب العالمين ، فلا أدري من أحق بالأمن
إن كنتم تعلمون . فانتبهوا من غفلتكم ، وتوبوا من زللكم ، وحافظوا على فرائض ربكم
( وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ) (2)
. ________________________ (1)
71 – التوبة
. (2)
1 – الأنفال . |