![]() |
|
الإســـــــراء
والمعــــــراج
وبيان
معجــــــــزات الأنباء
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق
ليظهره على الدين كله ولوكره المشركون ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وسبحان ربك رب
العزة عما يصفون ، وأشهد أن محمداً نبيه ورسوله الصادق المأمون . اللهم صل على
نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً . أما بعد : فقد قال الله سبحانه ( نحن نقص عليك أحسن
القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وان كنت من قبله لمن الغافلين ) (1) . إن هذا القرآن الكريم يقص علينا خبر من كان
قبلنا ، ونبأ ما سيكون بعدنا ، وهو الحكم العدل فيما بيننا . يذكر سبحانه بأنه أرسل
رسله بالبينات ، والبراهين والمعجزات ، يدعون الناس إلى عبادة ________________________ (1)
3 – يوسف . (2)
96 – يونس . (3)
59 – هود . عوقبوا
بما تسمعون من قوله سبحانه : ( فكلا أخذنا بذنبه : فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا .
ومنهم من أخذته الصيحة . ومنهم من خسفنا به الأرض . ومنهم من أغرقنا . وما كان
ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) (1) . إن الناس في المعجزات
والأمور المغيبات على قسمين : أحدهما : المؤمنون الذين
آمنوا بالله ، وصدقوا المرسلين ، فهم يؤمنون ويصدقون بكل ما أخبر الله به في كتابه
، من معجزات أنبيائه ، تصديقاً جازماً ، سواء أدركوا سر معرفتهم بعقولهم، أو لم
يدركوه ، لأن عدم علمهم بالشيء ليس دليلا على عدمه ، فقد أتت الرسل بمحارات العقول
، فهم الذين يؤمنون بالغيب على صفة ما أثبته القرآن . ويقولون آمنا بالله وما جاء من الله على مراد الله . لأن المسلم الحق متى آمن
بالله القادر على كل شيء ، والذي إذا أراد أمراً قال له كن فيكون فإنه لن يعسر عليه التسليم لكل ما أخبر
الله به في كتابه من معجزات أنبيائه ، فقد أجرى الله سبحانه خوارق العادات في خلقه
، ومن معجزات أنبيائه التي تجري على خلاف السنن المطردة والمعروفة المألوفة عند الناس
، مما يدل على قدرة الرب الذي أوجدها ، وصدق النبي الذي جاء بها . وإنما سميت
معجزة لكون الناس يعجزون عن الاتيان بمثلها ، لكونها من صنع الله لا من صنع الرسول
ولا البشر . ( وما كان لرسول أن يأتي بآياته إلا بإذن الله ) (2) ،
وتسمى الآية والبينة والبرهان . ولك نبي معجزة تناسب حالة قومه ومجتمعهم . ________________________ (1)
40 –
العنكبوت . (2)
38 – الرعد . والحكمة في المعجزات أنها تعزيز
دين الأنبياء ، وتستدعي قبول دعوتهم والإيمان بهم . فمن
المعجزات : خلق آدم من تراب . ثم قال له كن فكان . فصار بشراً سوياً . وكخلق حواء
من ضلع آدم ، وخلق عيسى من أم بلا أب . ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من
تراب ثم قال له كن فيكون ) (1) ومثله عصا موسى ، وهي عود من الشجر يتوكأ عليها ، ويهش بها على غنمه ،
وإنما صارت آية ومعجزة حين أمره ربه أن يلقيها ، فقال سبحانه : ( قال ألقها يا موسى فألقاها
فإذا هي حية تسعى . قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى ) (2) . فإنه حين
ألقاها صارت ثعباناً عظيماً بإذن الله . ولما أمره ربه أن يأخذها صارت عصا كعصا
أحدنا بيده . وكمعجزة الريح لنبي الله سليمان عليه السلام حين قال الله ( فسخرنا
له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب . والشياطين كل بناء وغواص . وآخرين مقرنين في فكان يبسط
البسط ، ويجلس عليها هو وجميع جنوده على كثرتهم ، فتنقلهم غدوها مسيرة شهر ،
ورواحها مسيرة شهر . كمعجزة نبي الله عيسى عليه الصلاة والسلام حين أنطقه الله في
المهد : ( إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً وجعلني مباركاً أينما كنت
وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً . وبراً بوالدتي ولم يجعلني جبارً شقياً ) (4) . فكان يبرئ الأكمة والأبرص ويحيى الموتى
بإذن الله . ________________________ (1)
59 - آل عمران . (2)
19-21- طه . (3)
36-38 – ص. (4)
30-32 – مريم
. وأنه لو لا هذا القرآن المنزل على محمد عليه أفضل الصلاة والسلام ،
يقص علينا خبر معجزات الأنبياء التي
تعزز دينهم ، وتستدعي قبول دعوتهم ، لكذب الناس بهم ، وبالكتب النازلة عليهم . ( إن هذا
القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون . وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين ) (1) . فالتصديق
بهذه المعجزات هي عقيدة المؤمنين ، ومن كذب بها فقد كفر . الصنف
الثاني : الماديون الطبيعيون الذين ينسبون كل شيء إلى الطبيعة . بمعنى أنها الموجدة لها من دون الله ـــ
حاشا الله ، فهم ينكرون ويكذبون بكل ما لم يدركوه بحواسهم ، فينكرون وجود الرب ،
ويكذبون بالملائكة ، ويكذبون بالبعث بعد الموت ، ويكذبون بالجنة والنار. وفيهم أنزل
الله ( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم
فأنظر كيف كان عاقبة الظالمين .
ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين (2) . فهم يبادرون
إلى إنكار كل ما سمعوه من الخوارق والمعجزات ، والأمور المغيبات ، فهذا دأبهم في
نظرياتهم العلمية . ومن لا يؤمن إلا بما يدركه بحواسه ، فإنه يعتبر كافر بالكتاب
وبما أرسل الله به رسله . أما معجزات
نبينا محمد عليه الصلاة والسلام ، فإنها كثيرة جداً . ولسنا بصدد إحصائها في هذا المقام الضيق ، فمنها نبع الماء من
بين أصابعه . ________________________ (1)
76 – النمل . (2)
39-40 – يونس
. ومنها تكثير الطعام القليل حتى يشبع منه الخلق الكثير . ومنها قصة
الأعرابية صاحبة السطيحتين أي الراويتين . و حاصلها ما
رواه البخاري في صحيحه عن عمران بن الحصين قال : » كنا في سفر مع النبي صلى الله عليه وسلم فاشتكى إليه الناس من العطش فدعا
علياً وفلانا ، فقال : إذهبا ، فابتغيا الماء . فانطلقا . فتلقيا امرأة بين سطيحتين (1) من ماء على بعير لها . فقالا
لها : أين الماء؟ فقالت : عهدي بالماء
أمس هذه الساعة . فقالا لها : أنطلقي . قالت : إلى أين ؟ قالا : إلى رسول الله ،
فقالت : الذي يقال له الصابئ ؟ قالا : هو الذي تعنين . فجاءا بها إلى رسول الله .
ودعا النبي صلى الله عليه وسلم وأطلق العزالي (2) ونودي في الناس .
اسقوا ، واستقوا. فملاءوا وكان العرب يسمون الرسول
ــ الصابئ ــ من أجل أن الناس يصبون إليه ـــ أي يميلون إليه ويدخلون في دينه .
ومثله ما جرى له مع شاه أم معبد ـــ وكانت عجفاء هزيلة لا تطيق المشي مع الصحاح
ـــ فمسح ضرعها ، وسمى الله عليها . فتنافجت ، واجترت ، ودرت ، ثم انفجرت باللبن.
________________________ (1)
السطيحة :
المزادة تكون من جلدين لا غير . (2)
العزالي جمع
عزلاء ، وهو مصب الماء من القربة ونحوها . لكن
المعجزة الخالدة الدائمة إلى يوم القيامة هي معجزة القرآن الكريم ، الذي تحدى الله
به جميع الأولين والآخرين ، على أن يأتوا بسورة من مثله ، فعجزوا مع بلاغتهم ،
وشدة فصاحتهم ( قل لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون
بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً ) (1) . فهو معجزة الدهور ، وآية العصور ، وسفر السعادة ، ودستور العدالة ، وقانون
الفريضة والفضيلة ، والوافي من الرذيلة . وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال : » إنه ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن به
البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة « (2) .
وإنما المعجزة الدائمة الخالدة ، والمشاهدة بالإبصار إلى يوم القيامة ، هي
معجزة القرآن الذي جاء فيه خبر ما قبلكم
، ونبأ ما بعدكم . يقول الله سبحانه : ( كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق
وقد أتيناك من لدنا ذكراً . من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزراً (3) . إذ لا يمكن إثبات معجزات الأنبياء السابقين إلا عن طريق القرآن ________________________ (1)
88 – الإسراء
. (2)
رواه البخاري
ومسلم من حديث أبي هريرة . (3)
99 – 100 –
طه . الكريم النازل على محمد عليه أفضل الصلاة
والتسليم . فمن هذه المعجزات » معجزة الإسراء والمعراج « قال
تعالى ( سبحانه الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي
باركنا حوله لنريه من آياتنا أنه هو السميع البصير) (1) . فاستفتح سبحانه خبر هذه المعجزة العظمى بقوله : (
سبحانه الذي أسرى بعبده ) وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا أعجبه شيء
أما سبح ، وإما كبر آخذاً من القرآن . وقد استبدل الناس بهما التصفيق بالأيدي .
والتسبيح والتكبير خير لهم لو كانوا يعلمون . والصحيح من أقوال العلماء أنه أسرى برسول الله صلى عليه وسلم بروحه وجسده
، لكون المقام ، وفحوى المقال ، ينبئ عن معجزته العظمى في خبر الإسراء . فأثبت القرآن أن الله أسرى بعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ليلاً من
المسجد الحرام. فقيل أسرى به من الحجر ،
وهو الصحيح . وقيل من بيت أم هانئ ، إلى المسجد الأقصى الذي هو بيت المقدس
. وهذا الإسراء معجزة عظمى خارقة للعادة .
والمعجزة كاسمها بحيث يعجز الناس عن معارضتها والإتيان بمثلها . وهي تدل على صدق نبوة من أتي بها . وذكر أنه أتي بالبراق ــ وهو دون الفرس وفوق الحمار ، وسمي براقاً لأنه
مشتق من البرق في سرعته ! ليريه من آياته ، وعجائب مخلوقاته ، في المسجد الأقصى ،
وفي السماء . وأنه من بعد وصوله إلى بيت المقدس ، صلى بالأنبياء عليهم الصلاة
والسلام . وصلاته بهم إنما هي بأرواحهم وإلا فإنهم قد دفنوا في الأرض . ويحتمل
أنهم تشكلوا له بصورهم في ________________________ (1)
1 – الإسراء
. الدنيا كما أخبر عن بعض أوصافهم ، ومنه قوله في يوسف : وأنه قد أعطى شطر
الحسن ــ أي الجمال ـــ كما كان جبريل يتشكل بصورة بعض الرجال . ثم إنه عرج به إلى السماء . صحبة جبريل عليه
السلام . فاستفتح السماء الدنيا . فقيل من هذا؟ قال : جبريل . قالوا ومن معك ؟ قال : محمد . قالوا: أ أرسل
إليه ؟ قال : نعم: فقالوا: مرحباً به فنعم المجيء جاء ثم استفتح كل سماء مثل هذا ،
حتى انتهى إلى سدرة المنتهى . وأخبر أنه رأي الأنبياء في صورهم ومنازلهم من السماء
. وفرض الله عليه الصلوات الخمس ، مع فرض الوضوء على القول الصحيح . » فقال هي خمس وهي خمسون « (1) أي في مضاعفة الأجر.
والصحيح من أقوال العلماء ، ومن نصوص القرآن والسنة ، أن الرسول لم ير ربه تلك
الليلة ، لكون رؤية الرب مستحيلة في الدنيا كما حكى الله عن نبيه موسى . ( قال رب
أرني أنظر إليك قال لن تراني ) (2) . يقول الله سبحانه ( وما كان لبشر أن يكلمه الله
إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ) (3) . ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك ؟ قال : (نور أنا أراه) (4) أي حال دون رؤيته نور . قالت
عائشة » من حدثكم أن رسول الله رأي ربه فقد أعظم الفرية عليه « ثم استدلت بقوله (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار
وهو اللطيف الخبير) (5) . ________________________ (1)
رواه البخاري
في كتاب الصلاة . (2)
43 – الأعراف
. (3)
51 – الشورى
. (4)
رواه مسلم في
صحيحه عن أبي ذر . (5)
الآية 103
الأنعام . أما قوله سبحانه : ( لقد رأي من آيات ربه الكبرى)
(1) . فإنه جبريل حين رآه في
صورته التي خلقه الله عليها بمنظر عظيم هائل . وهذا الإسراء والمعراج حصلا في ابتداء نبوته وليس
عندنا دليل يثبت تعيين يومه أو شهره بطريق صحيح . فالقول بأنه في شهر رجب ، هو قول لا صحة له . ولا يستند إلى دليل ولم يكن من عادة الصحابة ولا التابعين
التجمع للإٍسراء والمعراج . وليس له عندهم أي عمل أو اهتمام ، وإنما يؤمنون بما قص
الله في القرآن من خبره . وما يفعله بعض الناس في هذا الزمان ، وفي بعض البلدان ،
من التجمعات للإسراء والمولد ، وليلة النصف من شعبان ، كله من البدع المحدثة ،
التي ما أنزل الله بها من سلطان . وإنما سميت البدعة بدعة لكونها زيادة في الدين .
ومن عادة البدعة التمدد والزيادة كل عام . والحكمة من ذكر الإسراء في القرآن ، هو الإيمان به ، والعمل بما أوجب الله
من المحافظة على الصلوات الخمس التي افترضها ، فهي أول ما افترض من الشرائع ، كما
أنها آخر ما يفقد من دين كل إنسان . فاقتصاد في سنة ، خير من اجتهاد في بدعة ، ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم
تظهر حقيقتها في طاعته فيما أمر ، وتصديقه فيما أخبر ، واجتناب ما عنه نهى وزجر .
وأن لا يعبد الله إلا بما شرع .
فقول بعضهم إنها بدعة حسنة خطأ ، فليس في الإسلام بدعة حسنة ، بل كل بدعة
ضلالة وكل بدعة سيئة . وقد وردت أحاديث في أمور رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم
في الإسراء منها قوله » رأيت ليلة أسري بي
رجالا تقرض ________________________ (1)
18 - النجم . شفاهم
بمقاريض من النار ، فقلت يا جبريل ، ما هؤلاء ؟ قال : » هؤلاء خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون « . رواه البخاري ومسلم من حديث
أسامه بن زيد . قال ورأيت رجالاً على أقبالهم رقاع وعلى أدبارهم رقاع ، يسرحون كما تسرح
الأنعام ، ويأكلون الضريع والزقوم و رضف جهنم . فقلت يا جبريل ، من هؤلاء ؟ فقال :
هؤلاء الذين منعوا زكاة أموالهم وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون . قال ورأيت
قوماً يزرعون في يوم ، ويحصدون في يوم . فإذا حصدوا عاد كما كان . فقلت يا جبريل ،
من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ، فما أنفقوا من شيء
فهو يخلفه وهو خير الرازقين . رواه البزار من حديث أبي هريرة
وفي سنده ضعف . فهذا ملخص
حديث الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمن به المؤمنون ، ويكذب به الزنادقة
الملحدون ( وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما
تعملون ) (1) . وسبحان ربك رب العزة عما
يصفون ، وسلام على المرسلين والحمد
لله رب العالمين . ________________________ (1)
41 – يونس . |