![]() |
|
| 1
مقدمة
المؤلف إنني
أحمد الله على نعمه ، وأستزيده من فضله وكرمه وأصلي وأسلم على رسوله محمد وآله
وصحبه وبعد : فقد قال الله : (ومن
أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين) (1) . إن
لكل إنسان حاجة ، لكل حاجة غاية . وما حاجتي في مؤلفاتي إلا الدعوة إلى دين
ربي ونصيحة أمتي ، بالحكمة والموعظة
الحسنة ، ابتغاء الثواب من ربي ، والدعاء من إخواني ، إذ هذه أمنيتي ، وغاية بغيتي
ورغبتي » والله عند لسان كل قائل وقلبه « (2) . (
وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة
فينبئكم بما كنتم تعملون)(3) . لقد أعجبني كلمة قالها الإمام ابن الجوزي حيث
قال:- إن مؤلف العالم هو ولده المخلد الصالح، إذ أن الإنسان إذا مات انقطع عمله
إلا من ثلاث . صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له(4) . وإن من الخسران كون الإنسان يعلم علماً مما
علمه الله ، ثم يموت علمه في صدره ، بحيث لا يعلمه ، ولا يدعو الناس إليه ، حتى
يموت بموته ، _________________________ (1)
33 - فصلت . (2)
من حديث رواه
أبو نعيم في الحلية عن ابن عمر بن الخطاب ، والحكيم الترمذي عن ابن عباس (3)
105 - التوبة
. (4)
أنظر الحديث
الذي رواه البخاري في الأدب المفرد ، وأبو داود ، والترمذي والنسائي عن أبي هريرة. ويدفن معه في قبره ، فيكون علمه بمثابة الخسران على العباد والبلاد . (
قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ) (1)
. والله سبحانه خلق الإنسان . وعلمه البيان ، وجمله
بالنطق ، وشرفه بالإيمان ، وفضله
بالعلم والعقل على سائر الحيوان ، وجعله بحسن مقاصده وشرف مميزاته أفضل من ملائكة
الرحمن . ولقد عملت عملي ، وبذلت جهدي وجهادي في هذا
المجموع الذي هو حصاد ما زرعته فوق
الثلاثين من السنين حتى صار من
توفيق الله بمثابة الجنة العلمية . فيه ما تشتهي الأنفس ، وتلذ الأعين من العلوم
النافعة ، والبحوث المتنوعة ، مما قل أن يوجد مثلها في غيره ، ولا أقول بعصمته ، فقد يخفى على قائله ما عسى أن يظهر
لقارئه ( وفوق كل ذي علم عليم ) (2) ، ولم أصنعه بصفته لأن يكون ديوان خطب منبرية فحسب بل هو في نفسي ، وفي موضوعه أعلا وأجل ، وأكمل وأجمل ، فاتصافه
بالرسائل العلمية أشبه من تسميته بالخطب المنبرية ، فأنا أتحاشى عن تسميته بالخطب
وان كان فيه بغية الخطيب ، لكنني عملته لأن يكون مورداً عذباً يرده أهل الإرادة ،
ويختلفون فيما يردون ويريدون ( قد علم كل أناس مشربهم ) (3)
. فيأخذ منه المحاضر رغبته ، والمناظر بغيته ، ويستعين به
المؤلف على تنظيم رسالته ، والواعظ في موعظته ، ويأخذ منه الناقد لدحض حجة خصمه
قدر حاجته ، إذ أنه كنز من كنوز العلوم النافعة، مملوء بالحكم والأحكام ومحاسن
الإسلام ، وأمور الحلال والحرام ، ومحاربة الشرك البدع ، وفنون الضلال والأوهام ،
يدعو إلى إصلاح الدنيا والدين ، وإلى مصلحة الروح والجسد، والمال والولد، يهذب
الأخلاق ، _________________________ (1)
15 - زمر . (2)
76 - يوسف . (3)
60 - البقرة
. ويحارب الكفر
والشقاق والنفاق ، ولن يستغني عنه عالم تحرير ، ولا كاتب أديب ، و لا عاقل أريب .
فإن أردت تحقيق ذلك ، فانظر إلى بديع أي رسالة منه ، كرسالة مولد الرسول وبركة
بعثته على أمته ، ثم أنظر إلى الإسراء والمعراج وحكمته ، ثم إلى فضل الإسلام
وبداية قوته في نشأته ، ثم أنظر إلى حقيقة الكلام في تفسير غربته ، وهكذا سائر
مذكراته ، وقد سميته :
الحكم الجامعة لشتى العلوم النافعة
وما يوجد فيه من أساليب
البلاغة والبيان ، وانسجام الألفاظ
، مما يعد من علم الجناس ، فهو من نتيجة القريحة ، والسجية السمحة غير
المتكلفة . ولقد
سمعت من بعض علمائنا من يصف كلامنا بأنه من السهل الممتنع ، ــ ونسأله سبحانه
الهدي والسداد ــــ وقدرتي
في ذلك ، كتاب الله . إذ أن فيه من البلاغة والبيان ما يعجز عن وصفه كل إنسان .
يقول الله ( وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغا ً) (1) أي يبلغ من
أفهامهم ، و يعلق بأذهانهم . ويوجد
فيه من العظات ما يظن من المكررات ، وهذا لا يوجد فيه إلا عن قبيل الندور، فإن كل
ما يوجد فيه مما يظن أنه متفق في الرسم والعنوان ، لكنه يفترق في العلم والبيان ،
ولنا الأسوة بكتاب ربنا حيث يذكر القصة مبسوطة في مكان ، ومتوسطة ومختصرة في مكان
، فمن ذلك : ذكريات الصيام ، وذكريات الحج
، وذكريات أعياد الإسلام ، فإنها متنوعة في العلم والبيان ، وقد جعلت لكل
عيد ثلاث عظات متنوعة ، _________________________ (1)
63 - النساء. لكون النفوس تمل وتسأم من ترجيع ذكرى واحدة للعيد في كل زمان . وتشتاق
إلى التنقل في تنويع التذكير بالأحكام
، وأمور الحلال والحرام لكونه أدعى إلى القبول والإقبال ، ولأن لكل حادث
حديث ، ولكل مقام مقال . وإنني
عندما أطرق موضوعاً من مواضيع البحوث العملية التي يحسن التذكير بها ، وبمحاسنها
ومساوئها ، وحكمها وأحكامها ، فإنني آخذ للبحث بغيتي ، وغاية رغبتي ، مما وصل إليه
فهمي وعلمي ، حتى ولو طال ذيل البحث ، ولن أقتصر فيه على بلغة العجلان ، ورغبة
العاجز الكسلان ، إذ أن الناس يتفاوتون في قوة الإيراد والتعبير ، وفي حسن المنطق
وجمال التحبير ، والعلم شجون يستدعي بعضه بعضاً ، يأخذ بعضه برقاب بعض ، وعدوا من
عيوب الكلام ، وقوع النقص من القادر على التمام ، ووقوع الانفصام والانفصال في
مواقع الاتصال . هذا
: وان جميع الناس من شتى الأقطار ، وأكثر الأمصار ، حينما يسمعون صوت التذكير الذي
نلقيه في المسجد الجامع بقطر ، والذي تنشره الإذاعة بين الناس مرتين ، مرة عند
صلاة الجمعة ، والأخرى في المساء من ليلة السبت ، فيودون ويتمنون لو جمعت لهم هذه
المذكرات المتنوعة في شتى العلوم النافعة ، من المصالح والنصائح العمومية ، التي
تعالج سائر المشكلات الاجتماعية ، وعلى أثره صار أكثر العملاء ، وبعض الأمراء
والزعماء ، يطالبوننا في ذلك دائماً، صباحاً ومساءاً ، ونحن نعدهم ونمنيهم بلعل
وعسى ، وهم يكررون علينا الطلب من شتى البقاع ، ويحذرونني من عواقب التأخير ، ومن
مفاجأة الأجل قبل تنجيز هذا العمل ، لأن في الدنيا معوقات ، وللتأخير آفات وأنا أعرف حقيقة ما يقولون ، وفضل ما
يبتغون ، لهذا أوجبت لهم الحق لهم على في إنجاز ما يطلبون ، غير أنني أعرف أهل
زماني ، وخاصة أخواني وأقراني ، وأنهم على اتباع زلاتي ، وإحصاء سيئاتي ، وستر
حسناتي أحرص منهم على الانتفاع بعظاتي ، لكنني أسلى نفسي بالتأسي بالعلماء الفضلاء
قبلي الذين دب إليهم داء الحسد من أقرانهم
لكن الرجل الفاضل مهما هذب نفسه ، وحاول كف ألسنة الناس عن عذله ولومه فإنه
لن يسعه ذلك، لأن كل ذي نعمة محسود كما قيل : لا
يسلم المرء من ضد ولو حاول
العزلة بأعلا الجبل لهذا
نرى أحد هؤلاء عندما يعرض عليه شئ من رسائلنا ، ثم يرى فيها قولاً مما يخالف رأيه
واعتقاده ، وان كان حقاً في نفس الأمر والواقع ، فتراه يبادر بالركض إلى مدير
الجريدة ، لينشر نقده الباطل ، ليعلم به جميع الناس ، العام منهم والخاص ، كأنها
زراية ، وهي صحيحة في الرواية والدراية . وقد
قال لي أحد هؤلاء الأقران الكرام عندما زرته للسلام . وكنت أحمل معي شيئاً من
الرسائل العملية فيبادرني بقوله: ـــ إني لم أقرأ شيئاً من رسائلك أبداً . وسبق أن
قال لي مثل هذه الكلمة من مدة تزيد على ثلاث سنين ، وقد أعادها الآن . فقلت له :
عسى أن لا يكون فيها إلحاد وزندقة ؟
فقال : لا . إلا أنني مشغول عنها. ثم قال : إن فلاناً يشتغل بكتابة رد عليك
. فقلت له: أهلا بمن يرد الباطل في وجه قائله . وأنني مستعد لقبول الحق منه ، ورد
الباطل عليه ، ثم تفرقنا عن غير رضى مني . هذا
. وإنني جالساً عند أحد الأمراء الكرام بالطائف ، وبين أيدينا رسائل علمية ،
يسألني عن شيء من مشاكلها ، إذ دخل علينا رجل من كبار العلماء ، أعرفه ويعرفني .
فسلم على الأمير، وسلمت عليه رحب بي . وبعد جلوسه واطمئنانه في مكانه . قال له
الأمير : يا شيخ . ما بالكم إذا جاء كم شيء من الرسائل العلمية من أحد العلماء .
أو قال من أحد إخوانكم . فما بالكم تقابلونها بالنفرة والكراهية ؟ وكيف لا
تقابلونها بالرحب ، وسعة الصدر ، ودراستها بالتدبر والتفكير، ثم عمل المناقشة مع
مؤلفها ؟ فما كان جوابه إلا السكوت . إن
مما يزيد في أملي ، ويقوي رجائي على صواب علمي ، وحسن عملي ، ولا أزكي نفسي عند
ربي . وذلك حينما أسمع من العلماء الغرباء والبعداء عن بلداننا ، أسمعهم يلهجون
بالدعاء والثناء على حسن ما يسمعونه ويرونه من كتب العلم والحكمة ، والتي هي
مبتكرات من مشكلات العلوم النافعة ، فكان أبعد الناس منا هم أقربهم مودة إلينا ،
ووقع بنا ما قيل من أن أزهد الناس في عالم هم : أهله وجيرانه ، ومن يعيش بين
ظهرانيهم . كما حكى الله سبحانه في كتابه المبين عن فرعون ، لما جاءه نبي الله
موسى برسالة من ربه . فكان جوابه له أن قال : ـــ ( ألم نربك فينا وليداً ولبثت من
عمرك سنين ) (1) فكانت تربيته فيهم ، وبداءة نشأته عندهم ، وهو من
أسباب عدم قبولهم لدعوته ، والاحتقار منهم للحق الذي جاء به . ولن ننسى عداوة قريش
لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتكبرهم عن قبول دعوته ، من أجل نشأتهم بينهم ،
حتى سعد بالسبق إليه الأنصار ، وهم أبعد من قريش في النسب والبلد . و لا ينبغي أن
ننسى فتنة شيخ الإسلام ثم
إنه حصحص الحق حقيقته ، وعقيدته ، وحسن طريقته بعد موته ، فسمي شيخ الإسلام. وتقي
الدين . تسمية أنطق الله بها ألسنة الناس ، ولم يكن اخترعها أو اختارها لنفسه ،
واتفق جميع العلماء بعد موته على أن باعث الطعن فيه من أضداده ، هو محض الحسد منهم
على ما آتاه الله من فضله . كما قال عمر بن الوردي :
هذا
. وإنني لم أخرج رسالة علمية ذات أهمية إلا وأنا متحقق من حاجة المجتمع لها ، وإلى
التنبيه على مدلولها ، وكونها من المبتكرات التي لم نسبق إليها ، وكم ترك أول لآخر
، وان أردت تحقيق ذلك ، فأنظر إلى رسالة يسر الإسلام في حج بيت الله الحرام . ثم
أنظر إلى الدلائل العقلية والنقلية في تفضيل الصدقة عن الميت على الأضحية ، وكيف
أسقطت عن الناس الآصار والأغلال فيما يتعلق بالأضاحي عن الأموات . ثم أنظر إلى
أحكام عقد التأمين ومكانها من شريعة الدين ، وما فيه من التفصيل . هكذا سائر
رسائلنا على كثرتها . ونحن نسير في تذكير يوم الجمعة إلى شيء منها . وان
مما ندرك على بعض الأخوان ، وبعض العلماء الكرام ، كون أحدهم متى ظفر برسالة منا
تبحث عن حقيقة عقيدة ، أو طريقة ، أو مقالة مشكلة ، مما عسى أن يقع فيها الجدال ،
وكثرة القيل والقال ، فهذه الرسالة تكشف لهم الإشكالات ، و تزيل الشكوك والشبهات،
فيكون حظ أحدهم منها هو : محض النظر في عنوانها مع شدة كراهيته لها . وعسى أن ينشط
للنظر في الوجه الأول منها ، ثم يصفق بأجنحتها ويودعها في سلة المهملات وهو آخر
عهده بها، ثم يستمع ما يقوله الناس فيها .
فيقول بقولهم بدون تفكر ، ولا حسن تدبر . لأنه بزعمه يعيش في زمان السرعة
فكل شيء يراه ثقيلاً في نفسه . نسأل
الله سبحانه علماً نافعاً مبروراً ، وعملاً صالحاً مشكوراً ، ونعوذ بالله أن نقول
زوراً ، أو نغشى فجوراً . رئيس المحاكم
الشرعية والشئون الدينية عبد الله بن زيد
آل محمود الدوحة في 21 ذي القعدة 1398هـ |